بقلم الاستاذ رشيد امسكين محام بهيئة المحامين بأكادير وكلميم و العيون
ما يجري اليوم في قطاع العدالة لا يمكن فصله عن السياق السياسي العام الذي تعيشه البلاد. فاحتجاج المحامين، بما يحمله من تصعيد غير مسبوق في أشكاله ودلالاته، ليس مجرد خلاف مهني حول مشروع قانون، بل هو تعبير صريح عن أزمة ثقة سياسية ومؤسساتية، عنوانها الأبرز: طريقة تدبير الحكومة لورش إصلاح العدالة، وحدود التزامها الفعلي بمنطق الشراكة والتوافق.
لقد التزمت الحكومة، عبر وزارة العدل، منذ انطلاق النقاش حول مشروع قانون مهنة المحاماة، بخيار الحوار التشاركي، وقدّمت هذا المسار باعتباره ضمانة لإنتاج نص متوازن يحترم استقلال المهنة ووظيفتها الدستورية داخل منظومة العدالة. وانخرطت هيئات المحامين في هذا المسار بروح مسؤولية، وقدّمت تنازلات، وشاركت في صياغة حلول توافقية، إدراكا منها لحساسية المرحلة ولأهمية إنجاح ورش الإصلاح.
غير أن ما وقع لاحقا شكّل انقلابا صامتا على هذا المسار. إذ فوجئ الرأي العام المهني بإحالة مشروع قانون بصيغة مغايرة لما تم التوافق حوله، في قرار تتحمّل وزارة العدل مسؤوليته السياسية الكاملة، باعتبارها الجهة المشرفة على الملف، وصاحبة سلطة الإحالة والتوجيه. وهنا لم يعد الأمر يتعلق بسوء تواصل أو اختلاف في التأويل، بل بسلوك سياسي واضح يقوم على تجاوز التوافقات، وإفراغ الحوار من محتواه، وتحويله إلى مجرد واجهة شكلية.
إن أخطر ما في هذا السلوك ليس مضمون بعض المقتضيات المختلف بشأنها، بل الرسالة السياسية التي يحملها أن التوافق غير ملزم، وأن الشراكة يمكن الالتفاف عليها متى انتهت وظيفتها الظرفية. وهو منطق لا يسيء فقط إلى مهنة المحاماة، بل يضرب في العمق الثقة في المؤسسات، ويكرّس تصورا مختلا لعلاقة السلطة التنفيذية بالهيئات الوسيطة.
في هذا السياق، يصبح من المشروع طرح السؤال السياسي التالي: كيف يمكن لحكومة ترفع شعار الإصلاح أن تدبّر واحدا من أكثر الأوراش حساسية بمنطق الانفراد؟ وكيف يمكن الحديث عن عدالة مستقلة ومتوازنة، في ظل إضعاف أحد مكوّناتها الأساسية، وتحجيم دورها في صناعة النصوص المنظمة لها؟
لقد دفعت هذه الاختيارات المحامين إلى مربع لم يكونوا يرغبون في الوصول إليه. فالأشكال النضالية التي تم اللجوء إليها، بما فيها التوقف الجزئي عن تقديم بعض الخدمات، لم تكن تعبيرا عن نزوع تصعيدي، بل ردّ فعل مباشر على انسداد أفق الحوار، ورسالة سياسية مفادها أن الدفاع عن استقلال المهنة خط أحمر، وأن الشرعية لا تبنى فقط داخل المؤسسات التشريعية، بل أيضا عبر احترام مسار التوافق المجتمعي والمهني.
ومن الخطأ، بل ومن التبسيط المخلّ، تصوير هذا الاحتجاج كتعطيل لسير العدالة أو كابتزاز مهني. فالحقيقة أن الخطر الحقيقي على العدالة لا يكمن في احتجاج المحامين، بل في استمرار منطق تدبير أحادي يهمّش الفاعلين، ويحوّل الإصلاح إلى ممارسة فوقية. إن عدالة تُصاغ نصوصها ضد أحد أعمدتها الأساسية، هي عدالة محكومة باختلال دائم في توازنها.
إن المسؤولية هنا ليست تقنية ولا إدارية، بل سياسية بامتياز. مسؤولية وزارة العدل أولاً، باعتبارها صاحبة المبادرة، ومسؤولية الحكومة ثانيا بصفتها سلطة تضامنية يفترض أن تتحمّل نتائج اختياراتها، ومسؤولية البرلمان ثالثا، إذا ما مرّر نصا يعلم مسبقا أنه وُلد في سياق أزمة ثقة، لا في مناخ توافق.
وإذا كان المحامون اليوم يرفعون سقف مواقفهم، فذلك لأنهم يدركون أن الصمت في هذه اللحظة ليس حيادا، بل قبولا ضمنيا بمسار يضعف استقلال المهنة، ويعيد إنتاج عدالة مختلّة التوازن. إن الدفاع عن المحاماة هنا ليس دفاعا عن امتيازات فئوية، بل عن دور دستوري في حماية الحقوق والحريات، وعن عدالة لا تختزل في جهاز إداري، ولا تُدار بمنطق التعليمات.
إن استمرار هذا النهج ينذر بتوسيع دائرة الأزمة، وقد يفتح الباب أمام فقدان الثقة في باقي أوراش الإصلاح. ومن هنا، فإن الخروج من هذا المأزق يمرّ، سياسياً قبل أن يكون قانونيا، عبر قرارات شجاعة تعيد الاعتبار لمنطق التوافق، في مقدمتها سحب مشروع قانون مهنة المحاماة بصيغته الحالية، والعودة إلى الصيغة التي كانت ثمرة حوار مسؤول، وإعادة بناء الثقة على أساس الالتزام لا المناورة.
فالعدالة لا تصلح بالقوة، ولا تدار بمنطق الغلبة، بل تبنى بإرادة سياسية تحترم شركاءها، وتفي بتعهداتها، وتدرك أن كلفة كسر الثقة أخطر بكثير من كلفة التراجع الحكيم