نحو إعادة هيكلة الرواية الأمازيغية عن طريق تأسيس نقدا إيجابيا

يواجه تطور الجنس الروائي ضمن “النظام الأدبي الأمازيغي المتعدد” (Le Polysystème littéraire amazighe) الذي لا يزال قيد التأسيس عاملين معيقين أساسيين: أحدهما تاريخي والآخر فني جمالي. فالكتابة بالأمازيغية (وخاصة الريفية منها)، التي لا تزال أسيرة تقاليد شفوية عمرها آلاف السنين والتي تحاول جاهدة التحرر منها، تعاني من نقص في الخصوصية التاريخية واستمرارية متعثرة وتراكم غير كاف للأعمال الروائية المكتوبة، ونظراً لعدم وجود نماذج محلية راسخة ومعايير أدبية خاصة بها، تتأرجح الإنتاجات المعاصرة بين الضعف البنيوي وإعادة إنتاج أسلوب القصص الشفوي بشكل متكرر. وبالتالي، غالبا ما تعيد الكتابة الروائية إنتاج أسلوب الجمالية الشفوية، عن طريق التضخيم المباشر. بالإضافة إلى ذلك، فإن غياب المعايير الموحدة يعزز التشتت اللغوي حيث “تصبح الكتابة غير منظمة”.
في مواجهة هذه ” الفوضى اللغوية ” وعدم استقرار أسس الجمالية، أصبح استيراد نماذج خارجية مميزة من خلال الترجمة كعامل تحفيزي عبر الزمن. ومع ذلك، لا يمكن لعملية الترجمة أن تعزز نظام الاعتماد والاستقبال بشكل مستقل. هذا المقال يحاول الجواب عن فرضية أساسية وهي “بدون التطور المتزامن لشكلين من أشكال النقد، أحدهما أدبي (يهدف إلى تنظيم الكتابة الإبداعية الذاتية) والآخر ترجمي (يهدف إلى التنظير وتقييم عملية استيراد الآخر)، فلن تتمكن الرواية المكتوبة باللغة الأمازيغية من التخلص من حالة الفوضى أو الطابع الفولكلوري الذي تعاني منه لتحتل مكانتها الصحيحة في (جمهورية الأدب العالمية).”
تشخيص الفراغ بين الموروث الفولكلوري الشفهي والكتابة الجنينية
يكمن العائق الأول أمام تأسيس تقاليد روائية أمازيغية راقية في الهيمنة اللاواعية لأشكال التعبير الشفوي وخاصة الشعر والحكاية. وفي هذا الصدد قد أشار حسن بنعقية في كتابه “الأدب الريفي، من التقاليد الشفوية إلى اليوم”[1] أنه غالبا ما تبدو الرواية الأمازيغية الناشئة وكأنها «امتداد للحكاية»، حيث تعيد تنشيط أنماطها الشكلية. وهذا التأثر بالحكاية يمنع الرواية من الوصول إلى المعايير الحديثة التي تشكل بنية السرد (الراوي المطلق المعرفة، ووجهات النظر المعقدة، والزمن المجزأ، الخ). وبالتالي، يظل النص محصوراً في مرتبة “الفولكلور” أو “وثيقة لتحديث التقاليد الشفوية”، غير قادر على تحقيق الاستقلالية الجمالية للرواية الحديثة.
في موازاة ذلك، تتم عملية الانتقال المباغت إلى الكتابة وسط فوضى على مستوى الأسلوب والقواعد. وفي غياب نموذج للكتابة وقواعد موحدة، ينتج الكتاب أعمالهم بشكل مستقل وذاتي حسب اللهجات الإقليمية لكل منهم. ويؤدي هذا الاختلال الداخلي إلى تحويل الحقل الأدبي إلى فوضى نصية حقيقية.
إن هذين العائقين، أي التراث الشعبي المتوارث وحالة الفوضى العملية، يعزى سببهما المباشر إلى فشل الجهات المرجعية في إضفاء المصداقية على الأعمال الإبداعية وضبط معايير جماليتها. إن المجال الأدبي الأمازيغي المكتوب يعاني في مجمله من غياب المؤسسات النقدية الأكاديمية أو التحريرية القادرة على توجيه الذوق الجمالي ووضع حدود واضحة بين الأنواع الأدبية كالتمييز بين القصة الخيالية والقصة القصيرة والرواية. والأخطر من ذلك أن النقد ينظر إليه ثقافيًا بنظرة منحرِفة: فبدلا من فهمه على أنه تحليل منطقي وعقلاني لأي عمل أدبي، ينظر إليه على أنه “إهانة أو اعتداء” شخصي يشعر فيه المؤلف بأنه ملزم بالرد وبانفعال شديد. ومن ثم، فإن بناء خطاب نقدي موحد ومحايد وعلمي يعد السبيل الوحيد لإنقاذ النظام الأدبي الأمازيغي المتعدد من جموده الهامشي وتمكينه من الرقي على المدى المتوسط والبعيد.
النقد الأدبي (Azɣan aseklan) باعتباره جهة تنظيمية وتقنينية
الدعامة الأولى لإعادة التأسيس هذه يتمثل في النقد الأدبي في حد ذاته، الذي يصاغ تحت مفهوم “أزغان ن تسكلا” أو”أزغان أسكلان”. ومن منظور النظريات الأدبية الغربية، لا ينبغي اعتبار النقد مجرد حكم قيمي سلبي، بل “دراسة علمية للأعمال الأدبية”، يجب أن يرتقي إلى مستوى الفن والمعرفة الراشدة، القادرة على تكوين قواعد أساسية والتوفيق بين “الإدانة والتقدير في آن واحد”.
ولكي يضطلع بدوره كعامل داعم تاريخي، يجب على «أزغان أسكلان» أن يؤدي عدة وظائف طليعية. أولاً، التحرر من الثقافة الشفوية بحيث يعمل على تقديم المساعدة الفعالة للكتاب في التحرر من قواعد الكتابة الشفوية. وينبغي أن يوضح الناقد أن اللغة المكتوبة (الأدبية) مطلوبة بوضع حدودها مقارنة باللغة العامية (الشفهية) من أجل ترسيخ أسلوب كتابي متميز. من الناحية الثانية فيما يخص توضيح الجنس الأدبي، يجب أن يحدد معالم الجنس الروائي من خلال إبراز تميزه عن القصة القصيرة أو الحكاية. كما يجب عليه فرض احترام القواعد السردية (تنظيم الحبكة، والتوصيف النفسي للشخصيات، وأنواع التركيز السردي، الخ). وفي الأخير من جهة تشجيع الابتكار الجمالي من خلال تسليط الضوء على مزايا التيارات الجديدة (مثل الواقعية الروائية أو الخيال العلمي أو رواية الشباب)، ينبغي عليه تحطيم الرؤى القديمة للعالم وتوجيه ذوق الجمهور المتلقي نحو الحداثة الأدبية.
لا يمكن لهذا التقليد النقدي أن ينشأ من العدم؛ فهو يتطلب عملية تراكم تاريخي للقراءات والنقد والنقد المضاد، التي تتم داخل الأوساط الأكاديمية والعلمية ليس وطنيا فقط إنما أيضا في بلدان أخرى من تامزغا. ومن خلال هذا التراكم النقدي سيتم إرساء توافق جمالي الضروري لإدراج الرواية بالأمازيغية ضمن الموروث الأدبي الكلاسيكي المقنن.
النقد الترجمي باعتباره مختبرا لتقييم الاختلاف
إذا كان النقد الأدبي ينظم الإنتاج المحلي، فإن النقد الترجمي (أو علم الترجمة) ينظم، من جانبه، استيراد الثقافات الأخرى. في هذا المضمار تنص نظرية “النظم المتعددة” (Théorie des polysystèmes) لإيتامار إيفن-زوهار (Itamar even-Zohar) على أن الأدب الناشئ أو الثانوي أو الذي يمر بأزمة يحتاج بشدة إلى تأثيرات خارجية من أجل تحديث رصيده الذي يعاني من نقص. وتلعب ترجمة الأعمال العالمية المرموقة (مثل الواقعية الاجتماعية الأمريكية في أعمال جون شتاينبك التي قمنا بترجمة بعض من أعماله) دور المولدة الكبرى للأدب، حيث تزود الكتاب المهتمين بمجموعة من التقنيات السردية غير المسبوقة.
بيد أن هذا الاستيراد لا يمكن له أن ينجح دون اللجوء لنقد ترجمي دقيق. وقد طرحنا في بحثنا الأكاديمي مبدأً مبتكراً مفاده أن “نقد الترجمة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدراسات الترجمة الوصفية (Descriptive Translation Studies). إن النقد الوصفي للأعمال المترجمة يرفض المقاربة التقييدية (prescriptivisme)العقيمة ليركز بدلا من ذلك على الشرح السريري لظواهر انتقال المعنى من لغة لأخرى.
استلهاما من علم الترجمة الوصفي لجدعون توري (Gideon Toury) وأخلاقيات الترجمة لأنطوان بيرمان (Antoine Berman)، ينبغي للنقد الترجمي الأمازيغي أن يركز على بعدين متكاملين وهما:
أولا، البعد الأخلاقي والأيديولوجي (العلاقة مع الآخر): استناداً إلى وجهة نظر جان-لوي كوردونييه (Jean-Louis Cordonnier)، يجب على نقد الترجمة أن يقيم “كيفية التعامل مع علاقات المترجم بثقافته الخاصة (ذاته) والثقافة الأجنبية (الآخر)”. وفي السياق الأمازيغي، على النقد أو الناقد أن يقوم بتحليل ما إذا كان المترجم قد اعتمد استراتيجية “التوطين” (استراتيجية الهدف) لتسهيل فهم القارئ، أم استراتيجية “الحفاظ على الغرابة” (استراتيجية المصدر) لإثراء النظام المستهدف، رغم مخاطر إثارة استياء المتلقي. وبذلك يصبح النقد الترجمي الحارس الأخلاقي للتوازن في التواصل والأخذ والرد.
ثانيا، البعد الجمالي والشعري (الطابع الأدبي للنص المستهدف) : يجب على النقد التأكد من أن العمل، بعد ترجمته، يعمل كنص أدبي بحد ذاته. وعليه أن يكشف عن الميولات المشوهة (tendances déformantes) التي قد تؤدي إلى تشويه النص من قبل المترجم كالتوضيح المفرط، وتدني الجودة، وتدمير الشبكات اللغوية العامية، الخ. ومن خلال المقارنة المنهجية بين النص المترجم والنص الأصلي، يتم تقييم ما إذا كانت الجودة الأدبية والميزات الشكلية للنص المصدر قد بقيت كما هي بعد عملية الترجمة. كما يتم التحقق إن كانت المصطلحات المستحدثة أو المستوردة تثري بشكل ايجابي قاموس التعبير الراقي أم أنها مجرد إضافات مصطنعة عابرة.
الانسجام الديالكتيكي بين النقدين مع امكانية الوصول إلى العالمية
لماذا لا يمكن الفصل بين هذين النوعين من النقد؟ لأن العشوائية في اللغة والتقاليد الشفوية لا يمكن تجاوزها إلا إذا تم النظر نظريا في استيراد “الآخر” وخلق “المحلي” معا.
من جهة، إن النقد الأدبي في النظام الثقافي والابداعي الأمازيغي بحاجة إلى نقد ترجمي ممنهج. من أجل تأسيس معيار روائي، يحتاج “أزغان ن تسكلا” إلى نماذج جمالية مرموقة وذات مكانة. إلا أنه لا يمكن تقييم مدى ملاءمة هذه النماذج المستوردة دون اللجوء إلى أدوات علم الترجمة الوصفي، الذي يوضح كيف ولماذا أعيدت كتابة هذه النصوص أو تم تكييفها أو تشويهها أثناء عملية النقل.
من جهة ثانية، إن النقد الترجمي في الاتجاه الآخر، بحاجة إلى النقد الأدبي. فالمترجم الأمازيغي، في لغته الناشئة، يرتبط بواجب أخلاقي يتمثل في “رفع مستوى اللغة” وارتقائها أدبيا، وهو يسعى جاهدا إلى خلق أسلوب كتابي قياسي ونبيل وراق. لكن، للتحقق من صحة هذا الأسلوب “الرفيع”، يحتاج إلى إقرار من النقد الأدبي الوطني، الذي يحدد معايير الملاءمة الجمالية داخل النظام المتعدد المتلقي من خلال العمل النقدي.
ولن تستطيع الرواية الأمازيغية الحديثة التحرر من الاعتباطية إلا من خلال هذا التكامل. فمن خلال توحيد الإبداع الذاتي والعمل الترجمي تحت إشراف نقدي واحد، سيتمكن المجال الأدبي الأمازيغي من تراكم “أعمال ذات قيمة جمالية عالمية” مستوحاة من نظيراتها المستوردة وسيمنح هذا العمل المشترك الرواية المكتوبة باللغة الأمازيغية مصداقية ونضجا تقنيا يسمحان لها بمنافسة الآداب المهيمنة وطنيا. ويتعلق الأمر، في نهاية المطاف، بإرساء جهاز مفاهيمي ذاتي المنشأ يتيح التفكير في السرد في عصر الجغرافيا الأدبية العالمية.
خاتمة
إن الانتقال بالأدب الأمازيغي إلى الحداثة الكتابية يتطلب ما هو أعمق بكثير من مجرد تراكم تجريبي للنصوص. فهو يتطلب عملية تفكيرية ونظرية دقيقة، قادرة على استيعاب آلياتها الإبداعية الذاتية والوافدة منها.
ويعد هذا المقال بمثابة بيان في علم الترجمة وتأسيس نظام أدبي قوي. فهو ترافع يثبت بقوة أن النقد الأدبي “Azɣan n tsekla” والنقد الوصفي للترجمة هما وجهان لعملة مؤسساتية واحدة. وبدون تطورهما معا، ستظل الرواية الأمازيغية محكومة بالركود على هامش ثقافة شفوية فولكلورية أو كتابة فوضوية. ومن خلال الاسترشاد بهذا المحور النقدي المزدوج، سيتمكن الجنس الروائي باللغة الأمازيغية “أونگال أمازيغ” أخيرا من ترسيخ معاييره الجمالية، والتمتع بحق الاستفادة من التراث العالمي، والمطالبة بشكل مشروع بمكانته العادلة في “جمهورية الأدب العالمية” وما ابداعات محمد شكري إلا جزءا منها.
[1] Hassan BANHAKEIA. La littérature rifaine : De la tradition orale à aujourd’hui. L’Harmattan, 2019.



