كتاب وآراء

قراءة في ديوان «fitu» للشاعر عبد الحميد اليندوزي

بقلم: ميمون أمسبريذ

تكشف قراءة ديوان «فيثو» عن عمل شعري تتعدد موضوعاته وتتقاطع، في الوقت نفسه، حول مجموعة من الانشغالات الأساسية التي تؤطر تجربة الشاعر ورؤيته للعالم، كما تؤطر علاقته باللغة وبالتقاليد الشعرية الأمازيغية. فمن قصيدة إلى أخرى، تتداخل أسئلة الحرية والأخوة والهوية والعدالة الاجتماعية والذاكرة التاريخية والشرط الإنساني، مع بحث جمالي يستثمر بدرجة كبيرة إمكانات الشعر الريفي التقليدي، دون أن يتردد الشاعر أحياناً في تجاوزها بحثاً عن إمكانات إيقاعية وتعبيرية جديدة.

منذ القصائد الأولى، يؤكد الديوان تصوراً إنسانياً عميقاً للشعر. فقصيدة «Tarwa n tdwayt» توجه نداءً دافئاً إلى أخوة إنسانية كونية تقوم على التضامن والانفتاح على الآخر وحب الحرية. ويجد هذا التطلع إلى الحرية صياغة أكثر رمزية في قصيدة «Afar»، حيث يتحول الحوار بين الشاعر وطائر جريح لم يعد قادراً على الطيران إلى تمثيل رمزي للحرمان من الحرية. فالطائر الذي فقد جناحه يصبح، على المستوى الرمزي، شبيهاً بالشاعر نفسه. وتكشف النبرة التأملية والحساسية المرهفة التي تميز النص عن قدرة التجربة الفردية على الارتقاء إلى مستوى تأمل أعمق في الشرط الإنساني.

وتزداد هذه الرؤية الوجودية قتامة في قصيدة asenḍel n ytran (جنازة النجوم). فالقصيدة تتخذ نبرة تنبؤية ذات طابع كارثي، وتبدو بمثابة مرثية تتحول فيها انسدادات الواقع ومآزقه إلى ظاهرة ذات أبعاد كونية. ويبدو العالم الإنساني، عندئذ، غارقاً في أزمة تتجاوز حدود الفرد لتطال النظام الكوني نفسه. وتتواصل هذه الرؤية القاتمة للعالم في نصوص أخرى من الديوان، ولا سيما قصيدة tirart di tallest (اللعب في الظلام)، التي تفضح نفاق الخطاب المتعلق بحقوق الإنسان، في الوقت الذي تستمر فيه المظالم المرتكبة في حق الضعفاء في كل مكان. وتتعزز نبرة الشكوى واليأس من خلال مخاطبة الأم: «a imma» (يا أمي!)، وهي صيغة تستعيد أسلوباً متجذراً في التقليد الشعري الأمازيغي.

ويتخذ نقد العالم المعاصر، في بعض القصائد، بعداً سياسياً صريحاً. فالقصيدة التي تتناول جشع الأقوياء وفسادهم تدين استحواذ الشمال الرأسمالي على ثروات الجنوب، والتدخل الأمريكي، وتواطؤ أنظمة بلدان الخليج. ويلجأ الشاعر إلى السخرية السوداء لكشف آليات الهيمنة التي تحكم العالم المعاصر. وفي نص آخر،tudert xef ubadu (حياة على الحافة)، يرثي الشاعر حالة عالم تحكمه سلعية العلاقات الإنسانية، وفقدان الأصالة، وإفساد السياسة بالكذب، ونسيان أولئك الذين أُلقوا في السجون لأنهم وقفوا ضد الظلم. وفي مواجهة زيف هذا العالم يعمد الشاعر إلى اتخاذ موقف جذري: إذ يهدي لسانه للنجوم: «qesseɣ ils inu // wardiɣt i yitran» (قطعت لساني // وأهديته للنجوم). وهكذا تغدو القصيدة فضاءً لمقاومة تدهور العالم وفساد العلاقات الإنسانية.

وتبلغ مساءلة أسباب العنف والانقسام الإنساني درجة واضحة في قصيدة aredd a yamezruy (أجب أيها التاريخ). فمنذ عنوانها، تضع القصيدة التاريخ في موضع الاستجواب، وتطالبه بالإجابة عن سلسلة من الأسئلة التي تشكل تنويعات مجازية حول سؤال واحد جوهري: من المسؤول عن التمييز والفصل والعزل بين البشر؟ وتكتسب المعاناة الناتجة عن هذه الظواهر بعداً كونياً من خلال صور تستحضر الشمس والنار والنجوم والقمر: «wi i yzmen tafuct // issiɣ dayes timessi? // wi ismenɣen itran ? // wi isxeyyqen tazir؟ ». وهكذا تمنح القصيدة للمعاناة الإنسانية بعداً كونياً يتجاوز حدود التجربة المباشرة.

وتظهر قضية العدالة الاجتماعية في صورة أكثر تجسيداً في قصيدة aɣrum (الخبز). فالقصيدة تقدم مشهداً لمتسول يجوب مقهى ويطلب الخبز من الزبائن المنشغلين بمحاولة قتل الملل، وهم مستلقون على كراسيهم. وتتكرر كلمة «aɣrum» أمام كل طاولة فتغدو لازمة إيقاعية تشطر النص وتعيد القارئ إلى أبسط حاجات الإنسان وأكثرها بداهة: الحاجة إلى الغذاء. غير أن الشاعر لا يهدف إلى استدرار الشفقة فحسب. فشخصية المتسول تؤدي وظيفة رمزية تتمثل في التذكير، باسم المواطنة، بحق كل مواطن في حياة تليق بالكرامة الإنسانية. وتمنح النبرة المهيبة والإيقاع الذي يحاكي حركة المتسول من طاولة إلى أخرى القصيدة قوة خاصة.

وإلى جانب هذا البعد الإنساني والاجتماعي، يحضر سؤال الهوية الأمازيغية بقوة في الديوان، ولا سيما في النصوص المكتوبة في بداية تسعينيات القرن الماضي، وهي المرحلة التي شهدت تصاعد الحركة الأمازيغية. ويتجلى هذا البعد بصورة واضحة في قصائد مثل «أجب أيها التاريخ» و tamust (الهوية) و aqqa yi da (أنا هنا!) و alaɣi (نداء). ففي قصيدة «الهوية»، تُقدَّم الثقافة الأمازيغية باعتبارها إرثاً مهدداً بالتحولات الاجتماعية والثقافية. وتُتصور الهوية بوصفها نموذجاً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالماضي، في حين يُنظر إلى التغيير باعتباره مصدراً محتملاً للاغتراب. ومن ثم يُدعى الأمازيغ إلى ضمان نقل تراثهم الثقافي إذا أرادوا الحفاظ على هويتهم الجماعية.

وفي قصيدة «أنا هنا!»، تتخذ المطالبة بالهوية شكل «أنا» تتراوح بين الجرح والهشاشة والتحدي والمقاومة. وعلى الرغم من أن مرجع هذه «الأنا» لا يُصرَّح به بشكل مباشر، فإن سياق كتابة القصيدة في بداية التسعينيات يسمح بقراءتها باعتبارها تعبيراً عن الهوية الأمازيغية الجماعية. أما في قصيدة «نداء»، المكتوبة سنة 1990، فيوجه الشاعر نداءً مباشراً إلى الأمازيغ، داعياً إياهم إلى استعادة زمام مصيرهم من خلال إعادة إحياء إرث الأجداد. وهكذا فإن الخطاب الهوياتي في هذه القصائد هو في الوقت نفسه خطاب ذاكرة وخطاب فعل: فالمطلوب ليس فقط الحفاظ على الموروث، وإنما أيضاً استعادة القدرة الجماعية على الفعل وصنع المصير.

غير أن هذا التأكيد على الهوية لا يعني الانغلاق. فبعض النصوص تدعو، على العكس، إلى تجاوز الانقسامات. إذ نجد قصيدة تجمع بين البعد الهوياتي والدعوة إلى تجاوز الانقسامات الإثنية وبناء اعتراف متبادل قائم على الوئام والانسجام. وتصبح هذه الرؤية أكثر وضوحاً في قصيدة abrid (الطريق) المكتوبة سنة 2009، حيث لم تعد الهوية تُفهم باعتبارها تأكيداً حصرياً لـ«أنا» في مواجهة «أنت» أو «هو»، بل باعتبارها اندماجاً للاختلافات داخل «نحن» واحدة. وتترجم النبرة الخفيفة والمتفائلة تصوراً للهوية يقوم على الوحدة بدل المواجهة.

ويحتفظ الديوان، مع ذلك، بذاكرة حية للماضي الأمازيغي. فإحدى القصائد biya تحيي مدينة الحسيمة وتستحضر إشارات عديدة إلى ماضيها البطولي. كما يخصص الشاعر قصيدة سردية طويلة، tiṭṭawin yissrrawen، لتكريم «عبد النبي»، المقاوم السابق للاحتلال الإسباني. وتحكي القصيدة، بأسلوب إيحائي، كيف انتهى هذا المقاوم القديم إلى الفقر، وكيف مات في ظل لامبالاة عامة. وتنبع حساسية النص تحديداً من المفارقة بين عظمة النضال السابق والنهاية البائسة التي آل إليها صاحبه. ويسهم التناوب بين السرد والخطاب المباشر، إلى جانب التحكم الدقيق في القواعد الإيقاعية واللغوية، في منح القصيدة بعداً ملحمياً قوياً.

وتشكل ذاكرة الأجداد أيضاً أساس قصيدة سردية طويلة أخرى، rmars ameggaru (المحطة الأخيرة)، تتميز ببنيتها الخاصة. فهي أطول من النصوص المحيطة بها، وتمزج بين السرد والحوار، كما تعيد إدخال الحكاية الأسطورية بوصفها عنصراً بنيوياً. ويسمح توظيف العجائبي والنفس الملحمي للشاعر بإعادة تنشيط جنس شعري بدا أنه مهجور، من أجل حمل رسالة معاصرة تتمثل في الدعوة إلى العودة إلى أرض الأجداد. وهكذا لا يصبح التراث مجرد موضوع للذاكرة، بل يتحول إلى مورد جمالي وفكري يتيح التفكير في الحاضر.

وتظهر قضية وضع المرأة في المجتمع أيضاً ضمن اهتمامات الديوان. فالقصيدة النسوية، tettwattud (المنسية)، التي تتناول المجتمع الريفي تقدم قراءة نقدية لوضع النساء: الحرمان من حرية التصرف في الذات، وتهميش الفتيات، وانتهاك الحقوق. غير أن النص يكتفي أساساً بتقديم صورة عن الواقع ولا يقترح بوضوح أفقاً للتحرر. ومع ذلك، فإنه يكشف عن اتساع دائرة اهتمامات الشاعر لتشمل أشكالاً محددة من الظلم الاجتماعي.

وإلى جانب هذه الأبعاد الاجتماعية والسياسية، يتضمن الديوان تأملاً في اللغة والكلمة والشعر. ففي قصيدة awal (الكلمة)، يتخذ الشاعر نبرة الواعظ ليؤكد أهمية التحكم في الكلام وتجنب المخاطر الناجمة عن سوء استعمال الكلمات. والموضوع وطريقة معالجته متجذران بوضوح في التقليد الشعري. وفي المقابل، تمثل قصيدة izlan inu (أشعاري) احتفاءً بالشعر نفسه. فالشعر فيها حامل للهوية وتعبير عن حقائق أولى تنبع من العناصر الطبيعية ذاتها: المطر، والثلج، والبحر، والجبال، والصخور وغيرها. وبذلك يقيم الشاعر صلة بين كلمته وهويته والعالم الطبيعي.

وتحتل الطبيعة، بالفعل، مكانة مركزية في الصور الشعرية التي ينسجها الديوان. فهي تمد الشاعر بجزء كبير من عناصره المجازية. وغالباً ما تكون هذه الاستعارات واضحة وقابلة للفهم، لأنها تستند إلى عناصر محسوسة وقريبة من التجربة اليومية. غير أن الشاعر يوظف الطبيعة أيضاً بطريقة أكثر جرأة، بحيث تنتج صوراً تكاد تكون أيقونية للعالم الذي يصفه. ففي قصيدة Fitu (البرعم)، على سبيل المثال، يتحول الحلم إلى برعم ينطلق من بذرة ثم يتفتح تدريجياً حتى يحتضن البيت كله، فيغمر قلب الشاعر بالفرح. وهكذا تصبح الطبيعة نظاماً رمزياً يتيح تمثيل الأمل والتحقق.

أما الشعر الغزلي، فهو نادر في هذا الديوان. وتُعد القصيدة العاطفية استثناءً واضحاً في هذا الصدد. ففيها يناشد العاشق محبوبته، على نحو يذكر بـ«Ne me quitte pas »، أن تبقى إلى جانبه: «qqim akidi». وتسمح ذاتية الشعور العاطفي باستدعاء مختلف صيغ المبالغة، كما تتيح إنتاج صور شعرية شديدة الأصالة. وتكشف القصيدة بذلك عن قدرة الشاعر على توظيف التراث الإيقاعي في التعبير عن التجربة الحميمة.

ويتميز أحد النصوص الأخرى،ini as (أخبره)، ببنية خفيفة وبمقاطع غنائية، ويتناول مجموعة من الموضوعات بطريقة إيحائية تشبه أسلوب الحكم والأمثال. وفي مقابل ذلك، تتميز قصيدة أخرى، mant (أي) بقصر أبياتها وخفة إيقاعها؛ فتبدو وكأنها تتخلص من ثقل الإيقاع التقليدي، من دون أن تخفي خفة الشكل تشاؤمها العميق.

وعلى المستوى الفني، يتسم الديوان إذن بحوار دائم بين التراث والتجديد. فالإيقاع التقليدي، ولا سيما بنية «رالا بويا»، يشكل أحد أهم مبادئ التنظيم الإيقاعي. وهو يهيمن على بعض القصائد بينما يصبح أكثر خفوتاً في قصائد أخرى، أو لا يبقى منه سوى أصداء بعيدة. ومع ذلك، تظل القافية عنصراً بنيوياً متكرراً. ففي قصيدة «شعري»، مثلاً، يجدد الشاعر على مستوى البنية الإيقاعية؛ إذ يبني كل مقطع على قافية واحدة، تختلف عن قافية المقطع الذي يليه. وفي نصوص أخرى، يتخلى بصورة أوضح عن الوزن التقليدي، مع المحافظة على القافية.

وتشمل هذه الرغبة في التجريب أيضاً التوزيع المادي للنص. ففي القصيدة المخصصة لـقرية huja (هوجا)، يساهم التوزيع المكاني للنص في تحقيق نوع من التجديد الشكلي. وفي القصائد السردية، يوسع التناوب بين السرد والحوار إمكانات الشعر، إذ يسمح له باستيعاب بعض التقنيات الخاصة بالسرد. كما يكشف توظيف الحكاية والعجائبي والنفس الملحمي عن عدم اعتبار الشاعر للحدود بين الأجناس الأدبية حدوداً ثابتة.

ومع ذلك، تظل الموسيقى في قلب هذه الكتابة. فهي تستمد أحياناً عناصرها مباشرة من الشعر الأمازيغي التقليدي، كما في «ألعاب في الظلام» مثلا، حيث تعمل الموسيقية بوصفها عنصراً رابطاً بين أجزاء النص. وفي قصائد أخرى، تنتج الموسيقى عن الجمع بين الإيقاع التقليدي والقافية. وحتى عندما يتخلى الشاعر عن الوزن التقليدي، يظل شديد الانتباه إلى التأثيرات الإيقاعية، كما يتضح خصوصاً في «الخبز»، حيث يبدو الإيقاع وكأنه يحاكي حركة المتسول من طاولة إلى أخرى.

وأخيراً، تتمثل إحدى أبرز خصائص الديوان في علاقة الشاعر باللغة الأمازيغية. فهو يتبنى توجهاً واضحاً نحو النقاء اللغوي، إذ يعمل بصورة منهجية على إقصاء الكلمات الدخيلة من اللغات المتاخمة للأمازيغية، واستبدالها بمقابلات مأخوذة من تنوعات لغوية أمازيغية أخرى. ويبلغ مدى تمكن الشاعر من معرفة هذه التنوعات أن المقترض منها يندمج في النص بقدر كبير من الطبيعية؛ بحيث يصعب أحياناً على القارئ أن يدرك مصدره.

وهكذا يتجلى ديوان «فيثو» بوصفه مجموعة شعرية تلتقي فيها أبعاد متعددة من الكتابة: التأمل الوجودي، والنقد السياسي، والاجتماعي، والإثبات الهوياتي، والذاكرة التاريخية، والتعبير العاطفي، والاحتفاء بالشعر ذاته. ويواكب هذا التنوع الموضوعاتي بحثٌ متواصل على المستوى الفني. فالتقليد الشعري الريفي يشكل أساس هذه التجربة، لكنه لا يُستنسخ بصورة آلية؛ بل يُعاد تنشيطه وتوظيفه، وأحياناً تخفيفه أو تحويله. وبذلك يبني الديوان توازناً بين الوفاء للتراث الشعري والرغبة في التجديد، وبين التأكيد على الهوية والانفتاح على الآخر، وبين ذاكرة الأجداد والتساؤل حول الحاضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى