مرة أخرى، نجد أنفسنا أمام مشهد يثير أكثر من سؤال، عقب الوقفة التي نظمتها الجبهة المغربية لمناهضة التطبيع بمدينة مراكش، احتجاجًا على قيام بعض اليهود بأداء صلواتهم أمام حائط باب دكالة الذي بناه المرابطون الأمازيغ. مشهد أعاد إلى الواجهة نقاشًا حساسًا يتعلق بحدود حرية الممارسة الدينية، وعلاقتها باحترام الفضاء العام وقواعد العيش المشترك.
بوضوح ودون تردد، يقتضي الموقف المبدئي رفض تحويل الشارع العام إلى فضاء للشعائر الدينية، أيًّا كان أصحابها. فمن غير المقبول، من حيث المبدأ، أن يتحول الفضاء المشترك إلى مجال لممارسة طقوس دينية، سواء تعلق الأمر بمسلمين في بعض المدن الأوروبية أو في المغرب، أو بيهود في مراكش. فحرية العبادة حق مكفول، نعم، لكنها لا يمكن أن تُمارَس خارج ضوابط تضمن احترام حقوق الآخرين. ومع ذلك، ومن باب الإنصاف، يجدر التذكير بأن هذه الواقعة (صلاة اليهود أمام حائط باب دكالة) بالذات لم تُسجَّل فيها عرقلة لحركة السير أو تعطيل لمصالح الناس، كما يقع ايام كل جمعة حين تستغل كل الفضاءات من محطات الوقود وساحات وملتقيات الطرق لأداء صلاة الجمعة، وهو ما يفرض نقاشًا هادئًا بعيدًا عن التهويل.
غير أن ما يثير القلق أكثر ليس الفعل في حد ذاته، بل ردود الفعل التي رافقته. فأن يخرج البعض، مدفوعين بخطاب شعبوي أو نزعة ايديولوجية إقصائية، للتنديد بهذا المشهد وكأن المغرب ملكية حصرية لهم، فذلك انزلاق خطير.
إن المغرب يا سادة لم يكن يومًا أرضًا أحادية الديانة ولا احادي اللغة ولا احادي الثقافة، بل هو وطن متعدد، يتقاسمه المغاربة على اختلاف معتقداتهم مسلمون، يهود، ومسيحيون، لا دينيون … في ظل الدستور الذي يكفل حرية المعتقد، وتحت مظلة مؤسسة إمارة المؤمنين التي تضطلع تاريخيًا بحماية هذا التعدد وصونه.
الأخطر من ذلك، ما صدر عن بعض السلوكات المشينة من قبيل غسل الحائط أو كتابة عبارات تهديدية ومسيئة لليهود. مثل هذه الأفعال لا يمكن تبريرها بأي حال، بل تعكس نزعة عنيفة وإقصائية تمس بجوهر القيم المغربية القائمة على التعايش والاحترام المتبادل، وتدفع بالمجال العام نحو منطق الكراهية بدل منطق القانون والتعايش والتسامح.
إن مراكش، التي ظلت عبر التاريخ فضاءً للقاء الحضارات وتعايش الأديان، ليست مجرد مدينة عابرة، بل هي رمز روحي وحضاري عميق. في الوجدان الأمازيغي، تُعرف باسم “أمور ن ءاكوش” أي “أرض الله”، وهو معنى يتجاوز كل أشكال الانغلاق والاختزال. أما التفسيرات السطحية التي رُوِّج لها في بعض المقررات الدراسية، والتي تختزل اسم المدينة في معانٍ مبتذلة، (مر/ كش) فهي لا تعكس سوى تشويه لذاكرة المكان وتاريخه.
إن الدفاع عن القضية الفلسطينية، بما تحمله من عدالة تاريخية، لا يمكن أن يتحول إلى مبرر لاستهداف مواطنين مغاربة بسبب ديانتهم، ولا إلى ذريعة لفرض وصاية على الفضاء العام أو على هوية المجتمع.
المطلوب اليوم ليس مزيدًا من التشنج، بل استعادة التوازن الذي يفرض احترام القانون، صون الفضاء العام، وضمان حرية المعتقد في إطار منظم يحفظ كرامة الجميع. لأن المغرب، في نهاية المطاف، ليس ساحة صراع هويات، بل فضاء للتعايش.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر

