أخبار عاجلة

معضلات مجتمعية مغربية تشكل حفرا نحو التقدم

هناك مستويات من التجزئة والتباعد داخل المجتمع المغربي، حيث يمكن وصف العلاقة بين أطياف المغاربة بأنها تتراوح بين الجهل المتبادل، والغربة، والعداء، والتحريم الاجتماعي والقانوني. هذه المستويات الأربعة تتسرب في النسيج الوطني، مما يعيق الوحدة والتقدم.
مغاربة لا يعرفون مغاربة (العزل الديني)
عاش جزء من المغاربة، كاليهود، معزولين عن بقية المجتمع المسلم الذي كان يعتبر نفسه متفوقاً. كانت العلاقات الاجتماعية بينهم نادرة، مقتصرة على الجوار السكني أو المهني، ولم تكن هذه الفئة تتقاسم الفضاءات العامة المشتركة، إذ كانت بعض المرافق كالحمامات “مُحرّمة” عليهم. هذا الفصل، المُتأثر بثقل التاريخ والدين، جعلهم يشعرون بكونهم مواطنين من الدرجة الثانية. ويُضاف إلى ذلك وجود فئات أخرى من المسيحيين، والشيعة، والبهائيين، والأحمديين، وغيرهم ممن يضطرون للعيش متخفين أو بأقنعة اجتماعية ودينية مختلفة خوفاً من الوصم أو الإقصاء، مما يخلق طبقات غير مُعلنة داخل المجتمع.
مغاربة غرباء عن مغاربة (الغربة الهوياتية)
تظهر الغربة بشكل واضح في المسألة الهوياتية واللغوية. فمن جهة، هناك مغاربة يعتبرون أنفسهم أمازيغاً ولكنهم محرومون من لغتهم الأم بسبب ظروف التنشئة التي لم تُسعف في تداول الأمازيغية، فلجأوا إلى الدارجة. ومن جهة أخرى، هناك أمازيغ متحدثون، ولكنهم يعيشون غرباء عن بعضهم البعض في الحياة العامة، حيث يضطرون للجوء إلى الفرنسية أو الدارجة في تواصلهم اليومي وفي الفضاءات المشتركة كالمطاعم والمقاهي. هذا الانفصال يبلغ ذروته مع أولئك الذين ينسبون أنفسهم إلى أصول عربية مشرقية أو أندلسية، إذ يتحول الأمر إلى ممارسة عنصرية يتم فيها النظر إلى “العرب” كفئة متفوقة على باقي المغاربة الأمازيغ. هذا التجزؤ يخلق غربة عميقة في الهوية والذوق الفني والمشاريع المجتمعية، بالإضافة إلى صراعات داخلية على أساس التراتبية بين مختلف الأنساب “العربية” نفسها (كالشرفاء وغيرهم)، مما يغذي الهيمنيات والعنصريات المتداخلة.
مغاربة محرمون على مغاربة (الحواجز القانونية والدينية)
تُكرس النصوص القانونية والشرعية الانقسام الديني من خلال فرض قيود على الزواج المختلط. فاليهودي لا يمكنه الزواج بمن هي مسلمة رسمياً والعكس صحيح. كما أن المسلمة لا يُسمح لها بالزواج من مسيحي أو يهودي أو ملحد مغربي إلا من خلال التزوير أو تغيير الدين سطحياً، على عكس الذكر المسلم الذي يمكنه الزواج من أتباع معظم الأديان الأخرى. هذا التمييز يخلق حالات من النفاق الاجتماعي والقانوني ويعمق الحواجز بين المواطنين على أساس العقيدة.
مغاربة أعداء مغاربة (العداء الديني والسياسي)
يصل التباعد إلى حد العداء الصريح، حيث يُمارس الدعاء على “المشركين” والمغاربة اليهود والمسيحيين بالموت والفناء في بعض الفضاءات الدينية، سراً وعلانية. هذا الخطاب العدائي الداخلي يتناقض مع واقع العلاقات الدولية، فالمغاربة اليهود، بوزنهم العالمي، قد ساندوا استقرار المغرب وساهموا في دعم قضية الصحراء. في المقابل، واجه المغرب العداء من العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة والعربية (مثل الجزائر، وتونس، وليبيا، ومصر، وإيران، وتركيا) مما يوضح أن التضامن الديني والعرقي لم يكن بالضرورة في صالح الأمة المغربية.
الحاجة إلى الوحدة ومعالجة السبب الجذري
من الضروري ردم هذه الحفر المجتمعية بشكل فعال وحقيقي. يجب تحقيق الوحدة عبر التوافق على أساس الهوية الأمازيغية المورية (المغربية) وجعل الانتماءات الدينية مسألة ثانوية وخاصة. ويجب الاعتراف بكل الحساسيات الدينية وضمان ممارستها بشكل طبيعي وعلني طبقاً للحق في حرية المعتقد. إن السبب الجذري لهذه المعضلات هو التدين المتشدد الموروث من الماضي، والذي تضاعف سوءاً بخلطه بوهم الانتماء العروبي، مما أدى إلى فصل العقل المغربي عن منبته وجسده الحقيقي في شمال إفريقيا.

الأستاذ الحبيب حاجي

اقرأ أيضا

أكاديمية المملكة المغربية تسلط الضوء على “العمق التاريخي والتنوع الثقافي المغربي” في ندوة علمية كبرى بمناسبة “إيض يناير”

في إطار احتفالات الشعب المغربي برأس السنة الأمازيغية 2976، نظمت أكاديمية المملكة المغربية يوم الجمعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *