صرخة لابد منها

صرخة العدد 299 دجنبر 2025/2975

ليست الفيضانات التي عرفتها مدينة آسفي مجرد حادث طبيعي عابر يمكن اختزاله في غضب مفاجئ للطبيعة، بل هي مؤشر واضح على خلل أعمق في علاقتنا بالأرض، وفي طريقة فهمنا للغة التي تصفها وتحكي تاريخها. ففي خضمّ النقاش الذي رافق ما وقع، استحضر بعض الأصدقاء، في صفحاتهم على موقع الفيسبوك، أهمية علم أسماء الأماكن، أو ما يُعرف بالطوبونيميا، باعتباره أداة أساسية لفهم المجال واستباق مخاطره. وهو تذكير في محلّه، لأن أسماء الأماكن ليست ألفاظًا عشوائية أو محايدة، بل وثائق جغرافية وتاريخية تختزن معرفة دقيقة بطبيعة الأرض ووظائفها وحدودها.

ما حدث في آسفي أعاد إلى ذاكرتي، بشكل مؤلم، مأساة وادي أوريكا في تسعينيات القرن الماضي. يومها، كان المواطنون الذين يتكلمون الامازيغية يصرخون في وجه السياح: “أسيف… أسيف”، أي “لواد … لواد”. من فهم الكلمة أدرك الخطر وابتعد فنجا، ومن جهل معناها لم يستوعب التحذير جرفته السيول. تلك الحادثة، كما ما نعيشه اليوم في آسفي، تكشف حقيقة بسيطة لكنها حاسمة، الا وهي أن اللغة الأمازيغية، وأسماء الأماكن المتجذّرة فيها، ليست تراثًا فولكلوريًا جامدًا، بل أدوات حياة وحماية، ونظام معرفة عملي تشكل عبر قرون من التفاعل مع المجال.

الإشكال، إذن، لا يكمن في تقلبات الطبيعة وحدها، بل في عجز السياسات العمومية عن الإصغاء لما تقوله الأرض عبر أسمائها. فما يزال للأسف من يدبر المجال في كثير من الحالات يتعامل مع أسماء الأمكنة باعتبارها مجرد تسميات إدارية، تُدرج في الوثائق والخرائط دون اعتبار لمعانيها ودلالاتها، هذا ان لم تحرف أو تغير. والحال أن الاسم، في الثقافة الأمازيغية، ليس علامة اعتباطية، بل وصف دقيق لوظيفة المكان وطبيعته، وأحيانًا تحذير مسبق مما قد يختزنه من مخاطر او منافع. فأسماء الجبال والسهول وكل الأماكن في وطننا الحبيب ليست زينة لغوية، بل مفتاح لفهم المجال ومعرفته.

ولو أن التخطيط العمراني بمدينة اسفي أُنجز على أساس هذا الفهم، لكان من الصعب تجاهل دلالة اسم آسفي، أو “أسفّي” بالأمازيغية، الذي يعني “المصب”، أي المكان الذي تنتهي فيه مجاري المياه وتلتقي فيه السيول.

إدراك هذه الدلالة كان كفيلًا بجعل الحذر قاعدة، وبمنع التوسع العمراني في مجال طبيعي شديد الحساسية. غير أن الجهل بمعاني الأسماء، أو إقصائها المتعمّد، فتح الباب أمام قرارات غير محسوبة، جعلت الكارثة ممكنة ومتوقعة.

السكان الأوائل لهذه المناطق والذين هم أمازيغ، لم يسمّوا الأماكن اعتباطًا أو بدافع الزخرفة اللغوية، بل انطلاقًا من معرفة تراكمت عبر أجيال من العيش اليومي في المجال نفسه. كان الاسم لديهم ذاكرة جماعية، وخلاصة تجربة، وإشارة تنبيه مبكرة. وعندما تفصل السياسات العمومية الاسم عن معناه، فإنها تفصل التخطيط عن المعرفة، وتحوّل تدبير المجال إلى عملية تقنية صمّاء، يدفع المواطن ثمنها من أمنه وممتلكاته، وأحيانًا من حياته.

الطوبونيميا الأمازيغية، في هذا السياق، ليست بقايا لغوية من الماضي، بل نظام معرفة حيّ، يخبرنا أين يوجد الماء، وأين تمر السيول، وأين تشرق الشمس وأين تغرب وما الى ذلك من معاني ينبغي الحذر منها تارة والانتفاع منها تارة أخرى، وبالتالي فان تجاهل هذه المعاني والمعارف التقليدية لا يمثّل فقط خسارة ثقافية، بل يكشف عن فشل تنموي وتخطيطي في استيعاب شروط العيش الآمن داخل المجال.

من هنا، فإن حماية اللغة الأمازيغية وصون أسماء الأماكن الأصلية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مسألة رمزية أو شعارًا هوياتيًا معزولًا، بل هو شرط أساسي لفهم الأرض وحسن تدبيرها. فالأمكنة تنطق بلغتها الاصلية، ومن يصرّ على عدم الإصغاء إليها، يصرّ في المقابل على تكرار الأخطاء نفسها، وعلى إعادة إنتاج سوء التقدير وسوء التخطيط، بكل ما يحمله ذلك من كلفة إنسانية ومجتمعية.

وقديما قال الحكيم الامازيغي:

ⵉⴽⴽⴰⵏⵏ ⴰⵢⵢⵓⵔ, ⵢⴰⵡⵉⴷ ⴰⴱⴰⵢⵢⵓⵔ
Ikkann ayyur, yawid abayyur

ما معناه: لا خير في الاغتراب ما لم يكن مجلبة للنفع

صرخة العدد 299 دجنبر 2025/2975– جريدة العالم الأمازيغي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى