أخبار المغربثقافة وفن

محمد فارسي يطرق باب الترجمة الفورية إلى الأمازيغية في البرلمان المغربي

عن مؤسسة تانوكرا للنشر، يرتقب أن يصدر للباحث في الترجمة محمد فارسي كتاب علمي يتناول موضوع “الترجمة الفورية إلى الأمازيغية داخل البرلمان المغربي“، في عمل أكاديمي يفتح للمرة الأولى، بشكل متخصص، ورشا بحثيا يتقاطع فيه علم الترجمة مع اللسانيات والسياسة اللغوية وتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

ويضع الكتاب تجربة الترجمة الفورية بمجلس النواب المغربي في قلب البحث، باعتبارها تجربة مؤسساتية ولغوية حديثة تفرض على المترجم تحديا استثنائيا: نقل الخطاب البرلماني، في الزمن الحقيقي، من العربية الفصحى والدارجة المغربية إلى الأمازيغية بمختلف تنوعاتها الثلاثة، وسط سياق تتداخل فيه الإكراهات اللغوية والمعرفية والمصطلحية والمؤسساتية.

دراسة أكاديمية ترصد تجربة الترجمة الفورية بمجلس النواب وتختبر قدرة نظريات الترجمة على مواكبة لغة في طور استكمال بنائها المؤسساتي والاصطلاحي

ومن هذا المنطلق، لا ينظر محمد فارسي إلى الترجمة الفورية داخل المؤسسة التشريعية باعتبارها مجرد آلية تقنية لتيسير التواصل، وإنما باعتبارها أحد تجليات تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وفضاء فعليا للمساهمة في بناء خطاب مؤسساتي أمازيغي جديد، خصوصا بعد دخول خدمة الترجمة الفورية إلى مجلس النواب سنة 2022.

ويستند المؤلف في مقاربته إلى نظرية المعنى في الترجمة الفورية (Théorie interprétative du sens)، واضعا هذه النظرية أمام اختبار ميداني جديد داخل سياق لغوي ومؤسساتي خاص؛ إذ يتعلق الأمر بلغة ما تزال تستكمل بناء جهازها الاصطلاحي وتوسيع حضورها في المجالات الرسمية. وهو ما يفتح، بحسب الكتاب، إمكانات جديدة للنقاش حول مدى قدرة النماذج النظرية التقليدية في علم الترجمة الفورية على تفسير العمل في اللغات التي تخوض مسار بناء مؤسساتي ومصطلحي متسارع.

ولا ينشغل الكتاب بتقييم الأداء المهني للمترجمين أو إصدار أحكام بشأن جودة عملهم، بقدر ما يتجه إلى مساءلة قضايا أعمق تتصل بكيفية إنتاج المصطلح الأمازيغي في شروط الزمن الحقيقي، وبالآليات التي يعتمدها المترجم أثناء مواجهته لمفاهيم ومصطلحات برلمانية متخصصة، فضلا عن بحث العلاقة بين المصطلحات الرسمية التي يقترحها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وبين الاستعمال الفعلي لهذه المصطلحات داخل مقصورة الترجمة.

كما يطرح الكتاب سؤالا مركزيا حول قدرة نظرية الترجمة الفورية على تفسير اشتغال المترجم في لغة لا تزال في طور استكمال بناء جهازها الاصطلاحي والمؤسساتي، بما يجعل التجربة البرلمانية المغربية مجالا خصبا لإعادة التفكير في بعض المسلمات النظرية المتداولة في دراسات الترجمة.

ويكشف هذا العمل، في الوقت ذاته، عن وجود فراغ علمي واضح في مجال دراسة الترجمة الفورية إلى الأمازيغية، سواء على مستوى الوصف الميداني للتجربة أو على مستوى تأطيرها النظري. ويسعى المؤلف إلى المساهمة في سد هذا الفراغ من خلال مقاربة علمية تستند إلى مدونة أصيلة من الخطابات البرلمانية المغربية، بما يسمح بالانتقال من الحديث العام عن حضور الأمازيغية في المؤسسات إلى دراسة فعلية لآليات اشتغالها داخل فضاء تشريعي رسمي.

وتكتسب أهمية هذا الإصدار من كونه لا يوثق فقط لتجربة مؤسساتية ولغوية حديثة، بل يجعل منها أيضا موضوعا للبحث العلمي والتحليل النظري، في لحظة تشهد فيها الأمازيغية انتقالا متدرجا من فضاء التداول المجتمعي والثقافي إلى فضاءات الإدارة والتشريع والمؤسسات.

ومن المنتظر أن يشكل الكتاب إضافة نوعية إلى المكتبة الأكاديمية المغربية، ومرجعا للباحثين والطلبة في علوم الترجمة واللسانيات، وللمهتمين بالسياسة اللغوية وتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، فضلا عن كونه يوثق، بمنهج علمي رصين، تجربة غير مسبوقة في مجال الترجمة الفورية إلى الأمازيغية داخل المؤسسة البرلمانية المغربية.

وبهذا الإصدار، لا يطرق محمد فارسي باب الترجمة الفورية إلى الأمازيغية فحسب، بل يفتح أمام البحث العلمي بابا أوسع للتساؤل حول اللغة حين تدخل المؤسسة، والمصطلح حين يولد في لحظة الكلام، والترجمة حين تصبح جزءا من بناء حضور لغة رسمية داخل فضاء القرار والتشريع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى