كتاب وآراء

“يمكننا أن نبلغ المعرفة” محمد انعيسى يحول سؤال الوعي إلى أغنية

في خضم مشروعه الإبداعي الأمازيغي، يواصل محمد انعيسى، المعروف بلقبه «أفدجاح»، البحث عن مساحات جديدة للكلمة، وهذه المرة من خلال أغنية جديدة اختار لها عنوانا دالا: «يمكننا أن نبلغ المعرفة – Nzemmar a nessen». عنوان يبدو في حد ذاته امتدادا لذلك الانشغال الذي رافق تجربته الأدبية منذ بداياتها، حيث لم تكن الكتابة عنده مجرد تمرين جمالي أو بحث عن التعبير، وإنما كانت دائما مرتبطة بأسئلة الإنسان والوعي والمعرفة. وقد سبق لي أن تابعت تجربته في مقال نشرته سنة 2021، حاولت من خلاله الوقوف عند العلاقة بين تكوينه الأكاديمي وكتابته الأدبية، خاصة في ديوانه «أفريون ن تفاوت» وروايته «أمسكسي جار أوزوار د وافار»، وما حملته أعماله من تداخل بين المعرفة العلمية والتعبير الأدبي.

ومن «أفريون ن تفاوت» تحديدا يمكن أن نفهم جانبا من الطريق الذي يقود إلى هذه الأغنية الجديدة. ففي ديوانه الأول، لم يكن الشعر منفصلا عن هاجس التنوير، بل كان وسيلة لطرح الأسئلة وتحريك ما يمكن أن نسميه الوعي بالذات. وقد كان لي شرف أن تكون لي كلمة بين دفتي هذا الديوان، لذلك فإن عودة انعيسى اليوم إلى المعرفة باعتبارها موضوعا وغاية لا تبدو لي غريبة عن مساره، بقدر ما تبدو امتدادا طبيعيا لصوت شعري سبق أن أعلن عن نفسه من خلال القصيدة. الفرق هذه المرة أن الكلمة تغادر صفحات الديوان لتأخذ شكلا غنائيا، بما يتيحه هذا الشكل من إمكان الوصول إلى جمهور أوسع.

محمد انعيسى ليس شاعرا فقط، فقد راكم إلى جانب الشعر تجربة في الرواية، من خلال «أمسكسي جار أوزوار د وافار»، ثم واصل إنتاجه الأدبي في أعمال أخرى. وما يلفت في هذه التجربة أن الكاتب لا يتحرك داخل جنس أدبي واحد، وإنما ينتقل بين الشعر والرواية وغيرها من أشكال التعبير، وكأن الفكرة عنده هي التي تبحث عن شكلها المناسب. وفي هذا السياق، يمكن قراءة «يمكننا أن نبلغ المعرفة» باعتبارها انتقالا جديدا للفكرة نفسها إلى وسيط آخر. فالمعرفة هنا ليست مفهوما مجردا، وإنما تبدو أفقا يمكن الوصول إليه، ولذلك جاءت العبارة بصيغة «يمكننا»، أي أنها لا تتحدث عن فرد منعزل، بل عن إمكانية جماعية، وعن إيمان بأن الطريق إلى المعرفة مفتوح أمام من يريد أن يسلكه.

ولعل هذا ما يجعل تجربة أفدجاح جديرة بالمتابعة، خصوصا في سياق الكتابة الأمازيغية التي ما تزال تبحث عن مزيد من الأشكال والأساليب التي تمكنها من ملامسة قضايا الإنسان المعاصر. ففي المقال الذي سبق أن كتبت عنه، توقفت عند الطريقة التي انعكس بها تكوينه في العلوم الفيزيائية على كتابته الشعرية، حيث حضرت مفاهيم من قبيل سرعة الضوء والظواهر المناخية والتحولات الفيزيائية داخل الصورة الشعرية الأمازيغية. واعتبرت آنذاك أن هذا التداخل يمنح الكتابة مادة لغوية وثقافية جديدة، ويفتح أمام الأدب الأمازيغي إمكانات إضافية للتعبير عن قضايا تتجاوز المألوف. واليوم، يبدو أن السؤال نفسه يأخذ شكلا آخر: كيف يمكن للأغنية أيضا أن تتحول إلى مساحة للتفكير في المعرفة والإنسان والوعي؟

من «أفريون ن تفاوت» إلى «أمسكسي جار أوزوار د وافار»، وصولا إلى «يمكننا أن نبلغ المعرفة»، يبدو أن محمد انعيسى، أفدجاح، يواصل كتابة مشروعه الإبداعي بنفس طويل، مشروع تتعدد فيه الأجناس والأشكال، لكن يجمع بينها خيط واحد هو الإيمان بالكلمة وقدرتها على تحريك الوعي. وهو، في هذا المسار، لا يزال يكتب باعتباره مناضلا أمازيغيا يحمل سؤال الذات واللغة والثقافة، ويصر على أن تكون الكتابة جزءا من هذا الانشغال. لذلك فإن الأغنية الجديدة لا تبدو مجرد إضافة إلى قائمة أعماله، بل حلقة أخرى في مشروع اختار منذ البداية أن يجعل من الإبداع وسيلة لمقاومة الجهل والانغلاق، ومن المعرفة أفقا يمكن بلوغه. وربما هنا تحديدا تكمن دلالة العنوان: «يمكننا أن نبلغ المعرفة»؛ عبارة بسيطة، لكنها تحمل إيمانا عميقا بأن الطريق، مهما طال، يظل مفتوحا أمام الإنسان حين يقرر أن يعرف.

محمد فارسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى