أخبار عاجلة

الحركة الأمازيغية بالمغرب وآفاق النضال الممكنة

فريد المساوي

تعيش الحركة الأمازيغية بالمغرب في الآونة الأخيرة نوعا من الجمود والتراجع وذلك راجع إلى مجموعة من الأسباب منها ما هو ذاتي داخلي ومنها ما هو موضوعي خارجي، فمن المشاكل الذاتية ما يرتبط بعدم حسم مجموعة من الإشكاليات كسؤالي التنظيم والمرجعية وكذلك إشكالية التنسيق، ومن المشاكل الموضوعية أو الخارجية الضربات التي تلقاها جسد الحركة من طرف الدولة ثم بعض الأحزاب السياسية بهدف الاحتواء أو الإضعاف والتشتيت، فبتلك المحاولات تم احتواء واستقطاب ما يمكن استقطابه والباقي تزعزع كيانه بسبب الجدالات العقيمة حول الموقف والعلاقات بتلك الجهات والمكونات السياسية، هذه المشاكل انضافت إلى مشاكل أخرى عانت منها الحركة مند ظهورها ولم يكن من السهل أن تجد لها حلولا خاصة تلك المبنية على الاختلافات وتباين الاختيارات الاسترتيجية بين المتحزبين واللامنتمين، وكلنا يتذكر مشاكل الوفد المغربي في مؤتمر تافيرا.

إن الحركة الأمازيغية بالمغرب مند ظهورها إلى اليوم تشتغل على أوراش كثيرة ولكن يمكن تصنيفها إلى حقلين أساسيين: حقل ثقافي أدبي وفني وقد حققت تراكما في الانتاج سواء على المستوى الأكاديمي أو على مستوى عمل الأفراد والجمعيات وفي شتى الميادين، والحقل الثاني هو العمل السياسي والنضالي ويمكن أن نربط بهذا الحقل البناء التنظيمي من تأسيس الجمعيات والتنسيقات وتقديم العرائض وإصدار البيانات والاشتراك في التظاهرات والاحتجاجات وغير ذلك، وإلى حدود نهاية التسعينيات كان الحقل الأول يسير بوتيرة تصاعدية يبشر بأن الحركة مقبلة بقوة أما على المستوى الثاني فقد كانت الحركة في الواقع ضعيفة جدا رغم الكم الذي كان يحتشد في أنشطة الجمعيات إلا أنه لم يكن كما متجانسا ولا منتظما، والمشكل الأكبر أن الخلافات كانت تبرز بالخصوص عند الحديث عن مسألة التنظيم، ولكن الكثير من رواد وقياديي الحركة آنذاك ربما استهانوا بهذا المشكل فبدأوا يقحمون الحركة في النقاش حول التنظيم كضرورة للمرحلة وأكثر من ذلك ذهب البعض إلى اعتبار بأن العمل الجمعوي والثقافي قد استنفذ الممكن ولم يعد كافيا، وخلال اللقاءات التي نظمت من طرف لجنة البيان الأمازيغي ظهرت أوراق ومشاريع كثيرة إلى الوجود، ورغم كثرة تلك الأوراق واختلافاتها فقد حمل ذلك الدولة على إحداث تغيير في تعاطيها مع ملف الأمازيغية، لجعل حاملي تلك الأوراق يطلقونها من أيديهم بهدف التصفيق “للمكتسبات”، ومن لم يصفق فسيكون تعامل الدولة معه مختلفا، لهذا شهدنا فيما بعد تأسيس المعهد إبطال الحزب الديموقراطي الأمازيغي، والقمع العنيف لنضالات الحركة الثقافية الأمازيغية بالجامعة واعتقالات وأحكام قاسية، وتواطؤ الدولة المفضوح مع الفصائل الأخرى التي تواجهها (البرنامج المرحلي والطلبة الصحراويين )، وشهدنا انشقاق منظمة الكونكريس العالمي الأمازيغي سنة 2008، وغير ذلك، هذا إضافة إلى المشاكل الذاتية التي تعانيها الحركة وضعف إمكانياتها، حيث توقفت جل الصحف الأمازيغية تدريجيا عن الصدور، كل هذه الأمور لم تكن صدفة بل كان أمرا مبرمجا، بحيث حتى دور المواكبة النقدية الذي يمكن أن تلعبه الحركة مع المعهد وتعاطي الدولة مع القضية عامة غير مرغوب فيه، وقد لاحظنا مؤخرا تراجعا في وتيرة عمل المعهد، وحاولت بعض الجهات إعادة النقاش حول أمور حسمت قبل عشر سنوات، ولا زالت القوانين التنظيمية لأجرأة ترسيم الأمازيغية في غير المفكر فيه، وقد نسمع مستقبلا الدعوة إلى إعادة النظر في مسألة الدسترة نفسها لأنها جاءت في ظرفية دقيقة تتعلق بمسيرات حركة 20 فبراير، والحضور القوي للأمازيغ ومطالبهم فيها.

سبب كل هذه المشاكل هو ضعف الحركة الأمازيغية من الناحية التنظيمية، وعدم استطاعتها بناء تنظيم قوي يجمع مناضليها ويواصل دور التعبئة والتكوين المستمر للشباب الأمازيغ والتوعية بالقضية ويحصن مكاسبها ويمارس الضغط الكفيل بانتزاع المزيد من المكاسب، التنظيم في نظري ليس هو الحزب بالضرورة بل هو بناء تنظيم يركز بالأساس على توسيع القاعدة وتقويتها، وذلك بالتأطير الدائم للشباب وتشجيعه على التشبث بالقضية وحثه على التكوين والإبداع والإنتاج الأدبي والفكري، والتفكير في تكوين نخبة أمازيغية مثقفة مستقبلا تحتل مستوى رفيع وقادرة على فرض مشروعها الحضاري.

إن القول أن العمل الثقافي الأمازيغي قد استنفذ ما يمكن تقديمه هو كلام غير منطقي، فالأمازيغ لا زالوا في حاجة ماسة إلى المزيد من الإنتاج والتراكم سواء فيما يخص الكتابات التي تتناول القضية الأمازيغية ولو باللغات الأخرى، أو الكتابة بالأمازيغية في مختلف المجالات والاختصاصات الفكرية والأكاديمية لتكوين قاعدة قراء أمازيغية، وهذا يخص أيضا الصحافة، فبعد مجموعة من التجارب الصحفية التي يتمحور اهتمامها حول القضية الأمازيغية والتي حررت موادها إما بالعربية أو الفرنسية أو هما معا باستثناء بعض الإبداعات القليلة التي تكتب بالأمازيغية، بعد هذه التجارب وجب الانتقال إلى التفكير في صحافة أمازيغية صرفة بكل موادها من أخبار و مقالات سياسية أو اجتماعية أو فكرية، فوجود قارئ أمازيغي مهم جدا وهو ما لا يزال غير موجود في الواقع، كما أننا محتاجون إلى حركة ترجمة من اللغات الأخرى إلى الأمازيغية لكتب ومصنفات في مختلف المشارب الفكرية لتقوية وإغناء اللغة الأمازيغية وإكسابها القدرة على التعبير عن مختلف الخطابات الفكرية والفلسفية بالليونة والسلاسة المطلوبة، وكذلك تدوين الموروث الثقافي والفني والتاريخي للأمازيغ بالأمازيغية وكذلك ترجمته إلى اللغات الأخرى للتعريف به، أما فيما يتعلق بالإبداع باللغة الأمازيغية من شعر ورواية ومسرح وسينما وغير ذلك فإن كان موجودا فإنه لا زال قليلا جدا وإننا في حاجة إلى المزيد، وكل هذا لابد له من حركة نقدية مواكبة، لأن النقد الأدبي له دور أساسي في تحسين مستوى الإبداع وإنتاج ذوق أدبي سليم وكذلك في التأسيس لمشروع فكري مستقبلي.

وعلى الحركة الأمازيغية أن تشجع مناضليها وخاصة الطلاب والباحثين على الاهتمام بالبحث العلمي في مختلف المجالات من تاريخ ولغة ولسانيات وأنتروبولوجيا وغير ذلك، لأن النضال السياسي المطلبي ومشروع الحركة عامة يتقوى بقوتها العلمية والثقافية، إذن فمشروع الحركة الأمازيغية يجب أن تكون له صلة وطيدة بالبحث الأكاديمي، كما يجب استثمار ما أنجزه الباحثون حول ما يتعلق بالأمازيغية، والتشجيع على تأسيس مجموعات البحث العلمي قصد التعاون والتفاعل بين الباحثين.

كما أن الحركة الأمازيغية في حاجة إلى هيكلة يمكن أن تبدأ بلجان أو جمعيات في المدن والقرى تنسق فيما بينها في إطار تنسيقيات إقليمية ثم تنسيقيات جهوية والتي منها تتم العودة إلى التنسيق الوطني، ويمكن الاستفادة من وسائل الاتصال الحديثة التي تساعد على التواصل في مجال التنسيق بين الجهات والتي قد تغني عن كثرة اللقاءات والأسفار المكلفة وما يلي ذلك من توفير القاعات والفضاءات لعقد الاجتماعات، وهذا يقتضي أيضا إخراج القضية لتتجاوز دائرة النخب من مثقفين وطلبة وغيرهم إلى عامة الشعب في الأحياء والدواوير والقرى النائية، فالعمل الجمعوي الأمازيغي في الحقيقة لا زال في بداية الطريق، ولا زالت هناك أوراش كثيرة يمكن الاشتغال عليها لأهميتها، ولا أرى تأسيس حزب سياسي أمازيغي ولا حتى أحزاب بشكل متسرع قبل أن تكون لدينا حركة حقيقية قوية ومنتظمة سيجدي شيئا أو يقدم شيئا للقضية دون أن يحتوى أو يشتت، في حين أن الحركة إذا كانت منتظمة وقوية ومحصنة بنخبها وجماهيرها وتصوراتها وبرامجها تكون لها قدرة كبيرة على الفعل والتأثير السياسي وآنذاك إذا أسست حزب سياسي أو حتى إن انضمت إلى حزب معين فإنها ستفعل ذلك ولا خوف عليها، كما يجب أن نعي جيدا أن الدولة لا تقدم تنازلات وتحقق بعض الأمور استجابة للمطالب المكتوبة في البيانات أو في التقارير الصحفية إلا حين تكون الحركة على قدر من التنظيم والتماسك والقدرة على الخروج للاحتجاج والضغط، ولهذا يجب التركيز على نشر ثقافة الاحتجاج إن أردنا تحقيق المكتسبات، فالبيانات والعرائض وحدها لا تكفي ولن تجدي إن لم تكن ورائها قوة جماهيرية ضاغطة.

بالنسبة للهيكلة التي أقترحها أرى أن تأخذ فيها المبادرة الفعاليات المستقلة، فلا يمكن التعويل على المتحزبين في ذلك لأن المتحزب يبقى دائما محكوم بإيديولوجية حزبه ومواقفه، ولكن دون انطواء أو مقاطعة لهؤلاء، فالفعاليات الحزبية بدورها تحتضن مناضلين أمازيغيين لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نشكك في نضالهم أو نستهين بدورهم، خصوصا في المناطق التي لا تزال ناطقة بالأمازيغية كالريف وسوس والأطلس، ولكن الحركة الأمازيغية المتكونة من مناضلين مستقلين سياسيا مطالبون بالضرورة بإرساء أسس تنظيم مستقل وقوي، ويكون التعامل مع المتحزبين وكذا المنظمات الموازية كالجمعيات الحقوقية والنقابات وجمعيات المعطلين والمجتمع المدني عامة كذات مستقلة تنظيميا وإطار قائم الذات، والحركة في هذه الحالة يكون لها أن تبلور تصورات لبرامج نضالية وآليات عمل ثقافية وسياسية مختلفة ومتنوعة حسب الزمان والمكان، فحضور الحركة يختلف كما وكيفا من منطقة إلى أخرى.

إن التحولات التي حدثت في السنوات الأخيرة تفرض على الحركة الأمازيغية أن لا تظل مطالبها منحصرة في مجال اللغة والثقافة والهوية بل لابد من تبني هموم الجماهير ومطالبها المادية والديموقراطية، فالأمازيغ يعانون كما الشعب المغربي عامة من  أزمة الهوية والثقافة مع النهج الأحادي الإقصائي الذي نهجته ولا زالت تنهجه الدولة المغربية في شتى مؤسساتها كما يعانون من مشاكل اجتماعية كثيرة تتعلق بتفشي البطالة وتدني مستوى العيش وغياب البنيات التحتية وغير ذلك، وكذلك من غياب الحريات الأساسية، واستمرار الاعتقالات السياسية واعتقالات الرأي، وهذه الأمور لا ينبغي أن تكون معزولة عن مطالب الحركة، بل يجب أن تكون مطالبها وبرامج وآليات عملها تسير وفق تصورات وبرامج وآليات نضالية شاملة، ويكون لها حضور إلى جانب القوى الديموقراطية الأخرى في المعارك الجماهيرية.

تبقى مسألة أخرى مهمة ألا وهي مسألة المرجعية، فالمعروف أن الحركة الأمازيغية تنطلق في بناء تصورها للعمل السياسي ومشروعها الحضاري من قيم النسبية والعقلانية والتعدد، وهذا يتوافق ومشروعها الديموقراطي الحداثي، الرافض للفكر الأحادي الإقصائي مهما كان نوعه، والرافض لكل أشكال التمييز والتعصب والأصوليات، وهذه المرجعية لا يمكن فصلها عن النضال من أجل إرساء الديموقراطية ودولة المواطنة الحقة، فلا يمكن الحديث عن الديموقراطية مع فكر أحادي شوفيني أو تيوقراطي أصولي جامد، ولا يمكن تصور دولة المواطنة والحريات مع العمل بنظام الحزب الوحيد مع تعددية صورية فقط، إذن فالمشروع الحضاري للحركة الثقافية الأمازيغية لن يكتمل إلا بالعمل موازاة مع نضالها الهوياتي والثقافي، وكذا الاجتماعي الديموقراطي، على إشاعة قيم الديموقراطية والحداثة والانفتاح والتعدد ونبذ قيم التعصب والجمود والحقد أيا كان مصدرها.

 

شاهد أيضاً

النموذج التنموي الجديد وإشكالية إعمال الحق في التنمية

التنمية أولا وقبل كل شيء هي حق من حقوق الإنسان الأساسية، ويجب التعامل معها على ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *