كتاب وآراء

هل تكتب ذاكرة أكادير بلا تدقيق؟ خطأ في سيرة تبعمرانت يطرح علامات استفهام

أكادير: إبراهيم فاضل

تقدم مدينة أكادير نفسها باعتبارها عاصمة للثقافة والفنون وواجهة أساسية للثقافة الأمازيغية، غير أن بعض التفاصيل التي يفترض أن تكون محسومة في المعروضات الثقافية تكشف أحيانا عن إرتباك لا يليق بمدينة بحجم أكادير، ولا بأسماء فنية صنعت جزءا مهما من الذاكرة الثقافية للمنطقة. ويبرز ذلك في اللوحات والصور التعريفية التي جرى وضعها بمدخل فضاء المسرح البلدي المفتوح بمدينة أكادير، والتي تتضمن صور عدد من الفنانين والفنانات، بعضها مرفق بسيرهم الذاتية، قبل أن تثار ملاحظات بشأن وجود أخطاء في بعض المعطيات التي يفترض أن تخضع للتدقيق والمراجعة قبل عرضها أمام المواطنين والزوار.

ومن بين الحالات التي تستوقف المتابعين لوحة الفنانة والشاعرة الأمازيغية فاطمة شاهو تبعمرانت، حيث تتضمن اللوحة المعروضة من طرف مصالح جماعة أكادير، بحسب ما يظهر في الصورة، معطى يفيد بأنها من مواليد منطقة أيت باها بعمالة اشتوكة أيت باها، في حين أن المعطيات الصحيحة حول مسقط رأسها هي قرية إفران بالأطلس الصغير، بجهة كلميم واد نون. وهذا التصحيح ليس من قبيل التفاصيل الهامشية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشخصية فنية وأدبية أمازيغية بارزة إرتبط إسمها بالثقافة والفن والقصيدة الأمازيغية، وأسهمت لعقود في ترسيخ حضور الأغنية الأمازيغية في المشهد الثقافي المغربي.

المشكلة هنا لا تتعلق فقط بخطأ مطبعي يمكن المرور عليه مرور الكرام، بل تطرح سؤالا أكبر حول منهجية إعداد وتدقيق المعلومات التي تقدمها المؤسسات العمومية للجمهور. فعندما تختار جماعة ترابية مثل أكادير عرض سيرة فنان أو شاعر أو شخصية ثقافية في فضاء عمومي، فإنها لا تعرض صورة فقط، وإنما تقدم أيضا معلومات يفترض أن تكون موثوقة ودقيقة، وبالتالي تصبح مسؤولية التحقق من المعطيات أكثر إلحاحا، خاصة عندما يتعلق الأمر بمعلومة أساسية مثل تاريخ ومكان الميلاد.

والأكثر إثارة للاستغراب أن الأمر يتعلق بفنانة أمازيغية من حجم فاطمة شاهو تبعمرانت، التي تنتمي إلى المجال الثقافي لسوس، وهو ما كان يفترض أن يجعل سيرتها من بين السير التي تحظى بعناية خاصة أثناء إعداد مثل هذه اللوحات التعريفية. فكيف يمكن أن تمر معلومة تتعلق بمسقط رأس تبعمرانت دون تدقيق كاف؟ وهل تمت الاستعانة بمصادر موثوقة ومتقاطعة قبل إعداد هذه النصوص؟ وهل خضعت اللوحات لمراجعة من طرف مختصين في الثقافة والتراث داخل الجماعة؟ أم أن الأمر إقتصر على جمع معلومات من مصادر مختلفة وإدراجها في لوحات تعريفية قبل عرضها للعموم؟

وتزداد أهمية هذه الأسئلة بالنظر إلى المكان الذي وضعت فيه هذه اللوحات، باعتباره فضاءً عموميا يستقبل المواطنين والزوار ويحتضن تظاهرات ثقافية وفنية مختلفة كبرى، ما يجعل كل معلومة مكتوبة فيه قابلة للقراءة والتداول وإعادة النشر باعتبارها صادرة عن مؤسسة عمومية يترأسها عزيز أخنوش. فالخطأ في مثل هذه الحالات لا يبقى محصورا داخل مكتب إداري، بل يصبح جزءا من المشهد الثقافي للمدينة. فالزائر الذي يقف أمام اللوحة سيقرأ المعلومة باعتبارها معلومة موثوقة، وقد يعيد تداولها أو الاستناد إليها لاحقا. وهنا تكمن خطورة الأخطاء التي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها قد تتحول مع مرور الوقت إلى معلومات خاطئة تتكرر في المنشورات والمواد الإعلامية، وربما تجد طريقها مستقبلاً إلى مصادر أخرى.

وإذا كانت جماعة أكادير قد اختارت الاحتفاء بالفنانين والفنانات من خلال صورهم وسيرهم الذاتية، فإن الخطوة الطبيعية بعد اكتشاف أي خطأ هي تصحيحه بشكل فوري، لأن الاعتراف بالخطأ وتصحيحه ليس انتقاصا من المؤسسة، بل دليل على احترامها للجمهور وللشخصيات التي اختارت تخليدها في فضائها الثقافي. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم على مصالح الثقافة بجماعة أكادير ليس فقط، من أخطأ؟ وإنما أيضا: من راجع هذه المعلومات، بالعربية وبالأمازيغية وبحرف تيفيناغ، قبل أن تصبح معروضة أمام المواطنين والزوار؟ وهل توجد آلية واضحة للمراجعة والتدقيق في مثل هذه المشاريع الثقافية؟

فالثقافة ليست مجرد صور معلقة على الجدران، وليست عناوين براقة أو احتفالات موسمية، وإنما هي قبل كل شيء حفظ للذاكرة وتوثيق دقيق للأسماء والأماكن والتواريخ. وعندما يتعلق الأمر بشخصية مثل فاطمة شاهو تبعمرانت، فإن أقل ما يمكن تقديمه لها هو أن تكتب سيرتها بصورة صحيحة، وأن يذكر مسقط رأسها وفق المعطيات الدقيقة والموثقة، بعيداً عن أخطاء قد تبدو للبعض بسيطة، لكنها بالنسبة إلى أبناء المنطقة والمهتمين بالتاريخ الثقافي الأمازيغي ليست كذلك إطلاقا.

ويبقى الأمل أن تتعامل جماعة أكادير مع هذه الملاحظة باعتبارها تنبيها تصحيحيا، وأن تتم مراجعة جميع اللوحات والسير المعروضة في هذا الفضاء، لأن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان الخطأ قد وقع مرة واحدة، بل بما إذا كانت هناك أخطاء أخرى لم ينتبه إليها أحد بعد. وإذا كانت أكادير تريد فعلا أن تكون مدينة تحتفي بذاكرتها الثقافية وتقدم نفسها كواجهة للثقافة الأمازيغية، فإن أول شروط هذا الاحتفاء هو أن تكون الذاكرة دقيقة، والمعلومة موثقة، والأسماء والأمكنة في مواقعها الصحيحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى