صرخة العدد 306-307 يوليوز-غشت 2026/2976

ومن هذا المنطلق، فإن مراجعة المناهج الدراسية، يشكل فرصة تاريخية لإعادة النظر في الكيفية التي روت بها المدرسة المغربية تاريخ هذا الوطن. فالإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تحديث الوسائل البيداغوجية أو تجديد الكتب المدرسية، بل يبدأ من مراجعة الرواية التاريخية نفسها، حتى تنسجم مع التحولات الدستورية التي عرفها المغرب، وفي مقدمتها دستور 2011 الذي حسم نهائيا في هوية المملكة، باعتبارها هوية موحدة، في صلبها الأمازيغية باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة.
لقد نشأت أجيال كاملة على تصور ضمني مفاده أن تاريخ المغرب يبدأ مع الفتح الإسلامي، وأن عمر الدولة المغربية يختزل في 12 قرنا، وأن ما قبله مجرد مرحلة غامضة لا تستحق التوقف عندها. وهذه ليست مجرد ثغرة بيداغوجية، بل اختلال في بناء الوعي الوطني، لأن المغرب لم يولد مع حدث واحد، ولم يبدأ مع حقبة واحدة، وإنما هو ثمرة مسار حضاري طويل يمتد إلى آلاف السنين.
لقد كشفت الاكتشافات الأثرية في جبل إيغود أن المغرب يحتضن أقدم بقايا معروفة للإنسان العاقل، وهو معطى غيّر فهم البشرية لتاريخها. وتنتشر في ربوع المملكة النقوش الأمازيغية، التي تعتبر شاهدة على عمق حضارة هذه الأرض، كما قامت عليها ممالك أمازيغية كان لها دور بارز في تاريخ غرب البحر الأبيض المتوسط، وتعاقبت عليها شخصيات مثل ماسينيسا ويوغرطة ويوبا وتينهينان وديهيا، وهي أسماء ينبغي أن يعرفها التلميذ المغربي كما يعرف غيرها من شخصيات التاريخ العالمي، لأنها جزء من ذاكرته الحضارية.
وليس من المقبول أن يغادر التلميذ المغربي المدرسة وهو يعرف تفاصيل حضارات بعيدة، بينما يجهل حضارة وطنه، ولا يعرف شيئا عن الممالك الأمازيغية، ولا عن تطور تيفيناغ، ولا عن الامتداد الحضاري والثقافي الذي سبق دخول الإسلام إلى المغرب.
إن استحضار هذه المرحلة لا يراد به إحياء انقسام وهمي بين ما قبل الإسلام وما بعده، فالإسلام كان ولا يزال ركيزة أساسية في الشخصية المغربية، وإنما المقصود هو التأكيد أن الإسلام وجد مجتمعا قائما، له لغته وثقافته وتنظيماته، وأن الأمازيغ لم يكونوا مجرد متلقين للحضارة الإسلامية، بل كانوا من كبار صناعها.
فالدول التي صنعت مجد المغرب الوسيط، من المرابطين إلى الموحدين ثم المرينيين، لم تكن مجرد تعاقب لأسر حاكمة، بل كانت تعبيرا عن دينامية مجتمع أمازيغي استطاع أن يبني دولة قوية، وأن يوحد المجال المغربي، وأن يربط بين الصحراء والأندلس وإفريقيا، وأن يجعل من المغرب قوة سياسية وحضارية بصمت تاريخ الانسانية.
إن هذه الصفحات ليست ملكا لفئة، بل هي ملك لجميع المغاربة، ومن حق كل طفلة وطفل مغربي أن يتعرف عليها في مدرسته.
وإذا كان تاريخ الدولة يحتاج إلى هذا الإنصاف، فإن تاريخ المقاومة الوطنية يحتاج إلى مراجعة أشجع وأعمق.
لقد رسخت المناهج الدراسية، عبر عقود، سردية ركزت على أسماء بعينها، بينما بقيت شخصيات ومحطات أخرى خارج الذاكرة المدرسية. وليس المقصود هنا التقليل من قيمة أي رمز وطني، وإنما توسيع فضاء الاعتراف ليشمل كل من ساهم في الدفاع عن الوطن.
أين عبد الله أزاكور، ملهم معركة آيت عبد الله، الذي ارتبط اسمه بإحدى أبرز ملاحم المقاومة في الجنوب المغربي؟ وأين الحاج حماد ابن الشيخ أوكدورت الذي ارتبط اسمه بإدخال السلاح من تونس دعما للحركة الوطنية وجيش التحرير، وبالدور الذي أداه في انطلاق العمل الفدائي بمدينة الرباط؟ وأين أحمد الهيبة، وموحا وسعيد، والحسين أوبهي، ورجال آيت باعمران، وآيت عطا، وسائر المقاومين الذين كتبوا بدمائهم صفحات مشرقة من تاريخ التحرير؟
إن هؤلاء وغيرهم ليسوا أبطالا جهويين، بل شخصيات وطنية تستحق أن تجد مكانها الطبيعي في ذاكرة المدرسة المغربية، لأن بناء الذاكرة الوطنية لا يكتمل بالانتقاء، وإنما بالإنصاف.
إن المطلوب اليوم ليس كتابة (تاريخ أمازيغي) موازٍ (لتاريخ عربي)، ولا استبدال مركزية بأخرى، وإنما إعادة كتابة التاريخ الوطني برؤية علمية شاملة، تعترف بجميع الروافد، وتمنح كل مرحلة وكل شخصية حجمها الحقيقي، بعيدا عن الإقصاء أو الاختزال.
لقد حسم دستور المملكة سؤال الهوية، ولم يعد مقبولا أن تظل المدرسة متأخرة عن الدستور. فكما أن تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية يقتضي حضورها في الإدارة والقضاء والإعلام، فإنه يقتضي، بالقدر نفسه، حضورها في الذاكرة الوطنية، وفي كتب التاريخ، وفي وجدان الأجيال.
إن مراجعة المناهج الدراسية ليست ورشا تقنيا، بل هي قرار سيادي يرسم صورة المغرب التي ستنتقل إلى أبنائه. وكل إصلاح لا يعيد إلى المدرسة تاريخ المغرب كاملا، من حضاراته الأمازيغية العريقة، إلى دوله الكبرى، إلى ملاحم مقاومته وتحريره، سيظل إصلاحا منقوصا، لأنه يبني المعرفة على الانتقاء، ويترك في الذاكرة فراغات لا تليق بأمة عريقة مثل المغرب.
لقد آن الأوان لأن تروي المدرسة المغربية تاريخ المغرب كما هو، تاريخ وطن ضارب في عمق الإنسانية، تشكلت هويته عبر تفاعل الحضارة الأمازيغية مع الديانات التي مرت على أراضيه، وانصهرت فيه الروافد المختلفة في مشروع وطني واحد. فالأمازيغية ليست هامشا في تاريخ المغرب، ولا مجرد مكون من مكوناته؛ إنها أحد أعمدته المؤسسة، وجزء لا يتجزأ من شخصيته الحضارية والدستورية.
وحين تنصف المدرسة هذا التاريخ، فإنها لا تنصف الأمازيغ وحدهم، بل تنصف المغرب كله، وتمنح أبناءه الحق في أن يعرفوا وطنهم كاملا، وأن يفخروا به كاملا، وأن يبنوا مستقبله على ذاكرة كاملة، لا على رواية ناقصة.
وقديما قال الحكيم الأمازيغي:
ⴰⴳⵓⵊⵉⵍ ⵓⵏⵏⴰ ⴷⴷⴰⵔ ⵓⵔ ⵜⵍⵍⵉ ⵉⵍⵍⵉⵙ
Agujil unna ddar ur tlli illis
يتيم من لا بنت له
وأقول:
ⵜⴰⴳⵓⵊⵉⵍⵜ ⵜⴰⵎⵎⵓⵔⵜ ⵏⵏⴰ ⴷⴷⴰⵔ ⵓⵔ ⵉⵍⵍⵉ ⵓⵎⵣⵔⵓⵢ ⵏⵏⵙ
Tagujilt tammurt nna ddar ur illi umzruy nns
يتيمة تلك البلدان التي لا تاريخ لها
صرخة العدد 306-307 يوليوز-غشت 2026/2976 – جريدة العالم الأمازيغي

