صرخة لابد منها

صرخة العدد 308 شتنبر 2026/2976

خرجت الأحزاب السياسية ببرامجها الانتخابية، وها نحن كعادتنا عند كل مناسبة انتخابية نبحث في برامج هذه الأحزاب عن الأمازيغية، نتصفح الصفحات ونفتش بين العناوين والمضامين، ونتساءل: أين حضرت الأمازيغية؟ وكيف حضرت؟ وماذا تقترح هذه الأحزاب من أجل مواصلة مسار تفعيل طابعها الرسمي؟ وهذا التساؤل لا يعني، بأي حال من الأحوال، وضع جميع الأحزاب في خانة واحدة، ولا إنكار ما قامت به بعض القوى السياسية من أدوار ومواقف في مسار إنصاف الأمازيغية، وإنما يعكس سؤالا مشروعا يفرضه واقع دستوري وقانوني لم يعد يسمح بالتعامل مع الأمازيغية بمنطق الظرفية أو الانتقائية.

لقد مضى أكثر من خمسة وعشرين عاما على الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش سنة 2001، الذي أعلن بوضوح أن الأمازيغية مكون أساسي من مكونات الهوية الوطنية المغربية. ومضى أكثر من خمسة وعشرين عاما على خطاب أجدير، الذي شكل لحظة تاريخية في مسار المأسسة بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. وها نحن اليوم بعد أكثر من خمسة عشر عاما على دستور 2011، الذي حسم مكانة الأمازيغية باعتبارها لغة رسمية للدولة، ورصيدا مشتركاً لجميع المغاربة دون استثناء، وبعد أكثر من سبع سنوات على صدور القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

كل هذه المحطات ليست مجرد تواريخ نستعيدها في المناسبات، وإنما هي تراكم سياسي ودستوري وقانوني يؤسس لالتزام الدولة المغربية اتجاه الأمازيغية. ولذلك، فإن السؤال اليوم لم نعد نكتفي بطرحه بصيغة هل نعترف بالأمازيغية؟ أو هل نؤمن بمكانتها؟ فهذا النقاش حسم منذ سنوات طويلة. السؤال الحقيقي هو: ماذا سنفعل لتنزيل هذا الالتزام؟ وكيف سننتقل من الاعتراف إلى التفعيل، ومن النص إلى الواقع، ومن المبادئ العامة إلى السياسات العمومية القابلة للقياس والتقييم؟

ومن الإنصاف أن نقول إن مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية عرف، خلال الولاية الحكومية الحالية برئاسة السيد عزيز أخنوش، خطوات مهمة تستحق التثمين. وقد كان من الضروري الاعتراف بما تحقق، لأن إنصاف الأمازيغية لا ينبغي أن يتحول إلى موقف يرفض كل شيء لمجرد أن الطريق ما زال طويلا. والتثمين لا يعني التغاضي عن التأخر، كما أن الاعتراف بالمنجز لا يعني إعفاء المسؤولين عن الورش من واجب تسريع التنفيذ وتجويد استكمال ما تبقى.

لقد قطعنا اليوم أشواطا مهمة، لكننا لم نصل بعد إلى النقطة التي يصبح فيها المواطن المغربي قادرا على أن يلمس رسمية الأمازيغية في حياته اليومية كما نص عليها الدستور. ولذلك فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة انتقال حقيقي من منطق التدبير التدريجي إلى منطق الوفاء الكامل بالالتزام الدستوري، وفق الآجال والمراحل التي حددها القانون التنظيمي.

ومن هنا تحديدا يصبح حضور الأمازيغية في البرامج الانتخابية للأحزاب مسألة تستحق التوقف عندها. ليس لأننا نبحث عن عبارات جميلة حول الهوية، ولا لأننا نريد من الأحزاب أن تقدم لنا إعلانا جديدا عن حسن نواياها، وإنما لأن البرامج الانتخابية هي في نهاية المطاف تعاقد سياسي مع المواطنين، ومن حق المغاربة أن يعرفوا موقع ورش الأمازيغية في هذا التعاقد.

نريد أن نعرف ماذا ستفعل الأحزاب التي تطلب أصوات المغاربة من أجل تسريع تعميم الأمازيغية في التعليم؟ ماذا ستقترح للإدارة والقضاء والصحة والجماعات الترابية؟ ماذا ستفعل من أجل الإعلام والثقافة؟ كيف ستواكب تكوين الموارد البشرية؟ وما هي الموارد المالية التي ستخصصها؟ وما هي الآجال التي ستلتزم بها؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن نطرحها، وليس فقط هل وردت كلمة «الأمازيغية» في البرنامج أم لا.

وفي المقابل، سيكون من غير الإنصاف أن نضع جميع الأحزاب السياسية في سلة واحدة. فهناك من الأحزاب من ساهم في مراحل مختلفة من هذا المسار، وهناك من حمل القضية داخل المؤسسات، وهناك من اتخذ مواقف إيجابية تجاه تفعيل دستوريتها. كما أن هناك، كذلك، تفاوتا واضحا بين البرامج والمواقف، وهذا التفاوت هو الذي ينبغي أن نقرأه ونناقشه ونحاسب عليه سياسيا، بدل إطلاق أحكام عامة لا تخدم القضية.

لكن ما ينبغي أن يكون واضحا للجميع هو أن الأمازيغية لم تعد موضوعا يمكن لأي حزب أن يتعامل معه وفق ما تقتضيه الحسابات الانتخابية. لقد أصبحت التزاما دستوريا، وورشا وطنيا استراتيجيا، ومسؤولية مشتركة لا تخص فئة دون أخرى ولا حزبا دون غيره.

وهنا أجدني، وأنا أتابع هذا النقاش، أمام سؤال أكبر من مجرد حضور الأمازيغية في البرامج الانتخابية: متى سنصل إلى مرحلة يصبح فيها احترام الدستور أمرا طبيعيا لا يحتاج إلى تذكير مستمر؟ ومتى تصبح القضايا الوطنية الكبرى بمنأى عن الحسابات السياسية الضيقة؟

هذا السؤال يقودني إلى موضوع آخر سبق أن كتبت فيه، وأعود إليه اليوم من زاوية مختلفة، الا وهو التوظيف السياسي للرياضة، وخاصة كرة القدم، وإلى أي حد تستطيع السياسة أن تحترم حدودها؟

فالسياسة أي نعم، ضرورية في إدارة الشأن العام، وهي التي تنتج السياسات العمومية وتحدد الأولويات وتتحمل مسؤولية القرار والمحاسبة. لكنها تصبح مؤذية حين تتحول من وسيلة لخدمة المجتمع إلى رغبة في امتلاك كل المساحات، وحين يصبح كل مجال قابلا للتوظيف السياسي، وكل نجاح قابلا للتحول إلى رصيد انتخابي، وكل فضاء جماهيري مجالا للنفوذ والاستقطاب.

وقد تكون الرياضة، وفي مقدمتها كرة القدم، من أكثر المجالات التي ينبغي أن نحميها من هذا النوع من التوظيف، لأنها ما زالت من المساحات القليلة التي تجمع المغاربة دون أن تسألهم عن أحزابهم أو انتماءاتهم أو اختلافاتهم السياسية. ففي المدرجات، يجلس المغربي إلى جانب المغربي، وقد يختلفان في كل شيء، لكنهما يفرحان معا للمنتخب عند الفوز، ويحزنان معا عند الهزيمة. وفي لحظة الانتصار لا تكون هناك أغلبية ومعارضة، ولا حكومة وأحزاب، ولا يمين ويسار؛ يكون هناك مغاربة فقط.

ولهذا فإن الخوف ليس من أن يمارس السياسي حقه كمواطن في تشجيع فريق أو منتخب، فهذا حق لا ينازع فيه أحد. الخوف هو أن تتحول الرياضة إلى امتداد للمنافسة الحزبية، أو أن تصبح الأندية والمنتخبات أدوات للتعبئة السياسية، أو أن يتحول النجاح الرياضي إلى وسيلة لبناء النفوذ السياسي.

لقد رأينا كيف تستطيع السياسة، حين تتجاوز حدودها، أن تتسلل إلى العلاقات الاجتماعية نفسها، فتحول الاختلاف الطبيعي إلى خصومة، والانتماء السياسي إلى سبب للقطيعة بين القبيلة، الأصدقاء، الأسر وحتى بين الاخوة. وليس من الحكمة أن نسمح لهذا المنطق بأن يصل إلى فضاء يفترض أن يبقى جامعا للمغاربة.

السياسي له مجاله ومسؤوليته ومؤسساته، والرياضة لها مجالها ومسؤولياتها ومؤسساتها. ومن حق السياسي أن يكون مشجعا، لكن ليس من حقه أن يحول التشجيع إلى نفوذ، أو الرياضة إلى امتداد للصراع السياسي.

ولذلك، فإن ما أتمناه ليس إبعاد السياسي عن الرياضة كإنسان، وإنما إبعاد التوظيف السياسي عن الرياضة كمجال وطني جامع لكل المغاربة.

وقديما قال الحكيم الامازيغي:

ⵡⴰⵏⵏⴰ ⵓⵔ ⵉⵎⵎⵓⵔⵔⵉⵢⵏ ⵉⵖⴰⵍ ⵎⴰⵙⴷ ⵢⵢⵓⵔⴰⵔ ⴷ ⵉⴷⵔⴰⵔⵏ!
Wanna ur immurriyn ighal masd yyurar d idrarn!

بمعنى:

بالتجربة يكتسب الإنسان الخبرة ويعرف مقاييس الأشياء ومعاييرها

صرخة العدد 308 شتنبر 2026/2976 – جريدة العالم الأمازيغي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى