
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتمثل فقط في الحسم النظري لهذا النقاش، بل في ترجمته إلى سياسات لغوية وثقافية منصفة، تعيد للأمازيغية مكانتها الطبيعية، ليس كزينة هوياتية، بل كعنصر مؤسس في تعريف الذات المراكشية (المغربية).
إن القول بأن الأمازيغية كيان لا يعني إقصاء باقي المكونات، بل يندرج ضمن محاولة لإعادة التوازن إلى قراءة تاريخية طالها التحيز الإيديولوجي. فقد عرفت مرحلة ما بعد الكولونيالية هيمنة خطاب قومي ثنائي (عروبي إسلامي) عمل على إعادة تعريف المغرب باعتباره امتدادا للمشرق، وهو ما أدى إلى تهميش الأمازيغية لغويا وثقافيا ورمزيا. ومن هنا، فإن الدفاع عن الأمازيغية ككيان هو، في أحد أبعاده، فعل تصحيحي يسعى إلى إعادة الاعتبار للحقيقة التاريخية.
بالمقابل، يستند الطرح الذي يعتبر الأمازيغية رافدا إلى تصور تركيبي للهوية، يرى أن المغرب تشكل من تفاعل عدة مكونات: أمازيغية، عربية، إفريقية، أندلسية، وغيرها. ويؤكد هذا الاتجاه على أن الهوية الوطنية الحديثة يجب أن تبنى على مبدأ التعدد، لا على أسبقية مكون على الرافد وهو موقف إيديولوجي يضعها في مرتبة ثانوية، كعنصر مضاف إلى هوية يفترض أنها مكتملة سلفا. لكن، أي هوية هذه التي تكتمل دون الأرض التي نشأت عليها، ودون اللغة التي تشكل بها الوعي الجماعي لقرون طويلة؟ وهذا الطرح، رغم وجاهته الظاهرية، يطرح إشكالا إبستمولوجيا، يتمثل في عدم التمييز بين “الأصل” و”التفاعل”، وبين “البنية” و”الوظيفة”.
غير أن هذا الدفاع يظل بحاجة إلى تأطير علمي صارم، بعيدا عن النزعات العاطفية أو الخطابات الاختزالية. فالأمازيغية ككيان لا تعني الانغلاق أو النقاء العرقي، بل تعني الاعتراف بمرجعية حضارية مفتوحة، يتشكل داخلها تفاعلات عدة، لكنها دون الانسلاخ من جلبابها الأمازيغي، بل حافظت على استمراريتها. كما أن الإقرار بكونها بكيانها لا يتعارض مع الإقرار بتعدد التعبيرات الثقافية واللغوية داخل المجتمع المراكشي (المغربي).
فالتحليل العلمي يقتضي التفريق بين مستوى الأساس التاريخي الذي تشكل عليه المجتمع، ومستوى التفاعلات اللاحقة التي أغنته دون أن تغير من بنيته العميقة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الأمازيغية تشكل البنية التحتية للهوية المراكشية (المغربية)، بينما تمثل باقي المكونات روافد ثقافية ولغوية ساهمت في إعادة تشكيل هذه البنية دون أن تنفيها.
في النهاية، يبدو أن تجاوز هذا الإشكال لا يكمن في الاختيار الثنائي بين “كيان” و”رافد”، بقدر ما يكمن في إعادة صياغة السؤال نفسه. فبدل التساؤل عما إذا كانت الأمازيغية كيانا أو رافدا، قد يكون الأجدر التساؤل كما أتسائل أنا الآن عن موقعها داخل البنية التاريخية للمغرب، وعن كيفية إدماجها بشكل عادل في مشروع مجتمعي ديمقراطي يعترف بجميع مكوناته دون إنكار لأسسه.
في هذا السياق، يدافع عدد من المفكرين، ومن بينهم المناضل الراحل محمد بودهان، عن أطروحة تعتبر الأمازيغية كيانا حضاريا متكاملا، وليس مجرد عنصر ضمن تركيبة هجينة. فحسب هذا التصور، الأمازيغية ليست فقط لغة، بل هي نسق ثقافي ورمزي وتاريخي يؤطر الوجود الاجتماعي للمراكشيين (للمغاربة)، ويمنحهم استمرارية حضارية تمتد لآلاف السنين. ومن ثم، فإن اختزالها في “رافد” يعد، تقزيما لوظيفتها البنيوية داخل المجتمع.
من الناحية العلمية، لا يمكن مقاربة هذا الإشكال دون العودة إلى الدراسات الأنثروبولوجية والتاريخية التي تناولت تشكل المجتمع المراكشي. فالأبحاث في هذا المجال تجمع على أن شمال إفريقيا، بما فيها المغرب، هو مجال أمازيغي في الأصل من حيث الساكنة واللغة والثقافة، وأن مختلف التحولات التي عرفها لاحقا، سواء مع الرافد العربي أو مع الروافد الأخرى لم يلغ هذا الأساس، بل ساهما في إعادة تشكيله في إطار تفاعل تاريخي معقد.
هذا السؤال، في ظاهره، قد يبدو توصيفيا بسيطا، لكنه في عمقه يعكس صراعا حول تعريف الذات الجماعية، وحدود الانتماء، وأسس بناء الدولة الحديثة. فمفهوم “الرافد” يفترض ضمنا وجود مركز وهوية أصلية تستقبل روافد متعددة، بينما يفترض مفهوم “الكيان” استقلالا وجوديا وتاريخيا يجعل من الأمازيغية أساسا لا تابعا.
يعد سؤال الهوية في المغرب من أكثر الأسئلة تعقيدا وتشابكا، بالنظر إلى تعدد مستوياته التاريخية واللغوية والسياسية. ومن داخل هذا النقاش، يبرز إشكال مركزي ظل موضوع سجال حاد بين مختلف الفاعلين الفكريين والسياسيين، وهو: هل الأمازيغية كيان قائم بذاته أم مجرد رافد من روافد الهوية المراكشية (المغربية)؟
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر
