صرخة العدد 305 يونيو 2026/2976

لكن، وكما يحدث في كل مرة تقريبا، سرعان ما يتحول ذلك الحماس الأول إلى شيء من الإحباط الصامت. بعض أعضاء فريق العمل أصروا على أن لا نتعب أنفسنا لأن الكثير من المناضلين لن يستجيبوا، ولن يتفاعلوا، لأنهم يعتبرون الجريدة متحزبة، ولذلك يقاطعونها.
الحقيقة أن الأمر لم يعد يفاجئني. لقد اعتدت، منذ سنوات طويلة، على هذا النوع من الأحكام الجاهزة، وعلى منطق التخوين الذي يلاحق كل من يختار أن يتحرك خارج القوالب المغلقة التي يريدها البعض للحركة الأمازيغية.
تذكرت مباشرة تلك المرحلة التي عينت فيها، إلى جانب أسماء أخرى، من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس، عضوة بالمجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. يومها لم يناقش كثيرون أهمية أن تدخل الأمازيغية إلى مؤسسة رسمية للدولة، ولم يتوقفوا عند الرمزية السياسية والتاريخية لذلك التحول، بل انطلقت فورا لغة الاتهام والتشكيك. أصبحنا فجأة “مستلبين”، و”انتهازيين”، و”نخبة مولوية”، وكأن خدمة الأمازيغية داخل المؤسسات الوطنية خيانة، لا مسؤولية وطنية.
كان بعضهم يريد للأمازيغية أن تبقى مجرد صرخة احتجاج خارج المؤسسات، لا مشروعا مجتمعيا يدخل الدولة والقانون والإعلام والسياسات العمومية. وكأن المناضل الحقيقي، في نظرهم، هو فقط ذلك الذي يبقى في الهامش، أما من يحاول نقل القضية إلى فضاءات القرار فيتحول فورا إلى متهم.
الأمر نفسه تكرر عندما كنت عضوة في اللجنة التقنية المكلفة بإحداث القناة الأمازيغية، ممثلة للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. بدل أن ينظر إلى الخطوة باعتبارها مكسبا تاريخيا لإدماج الأمازيغية داخل الإعلام العمومي، ارتفعت من جديد أصوات التخوين والمقاطعة والتشكيك، وكأن البعض لا يستطيع رؤية أي نجاح إلا باعتباره مؤامرة.
ثم جاءت مرحلة أخرى أكثر مرارة تلك التي قررت فيها أن أمارس السياسة في إطار تنظيم سياسي، وهنا بلغ الهجوم مستوى آخر. فجأة أصبحت “بائعة للقضية”، و”مسترزقة”، و”باحثة عن الامتيازات”، فقط لأنني اخترت العمل السياسي من داخل حزب سياسي. وكأني الوحيدة من الحركة الأمازيغية التي التحقت بحزب سياسي، أو وكأن الأمازيغي ممنوع عليه الالتحاق بالأحزاب، أو كأن الدفاع عن الأمازيغية يجب أن يبقى محصورا داخل الجمعيات والبيانات الموسمية والشعارات الغاضبة، لا أن يتحول إلى فعل سياسي ومؤسساتي وتشريعي.
المفارقة المؤلمة أن كثيرين يرفعون شعار “إدماج الأمازيغية”، لكنهم يرفضون عمليا كل محاولة حقيقية لإدماجها داخل مؤسسات الدولة والإعلام والأحزاب ومراكز القرار. يريدون القضية حاضرة كشعار، وغائبة كسلطة وتأثير.
ورغم كل هذا الكم من العواطف السلبية، واصلنا الطريق الذي اخترناه منذ البداية. طريق الدفاع عن الأمازيغية داخل المجتمع، وداخل الإعلام، وداخل المؤسسات، وداخل النقاش العمومي، دون خوف، ودون عقد، ودون انتظار تصفيق من أحد.
لكن، أحيانا، تأتيك لحظات صغيرة تختصر كل هذا التعب النفسي. من أكثر اللحظات قسوة بالنسبة إلي، تلك التي رأيت فيها أعداد جريدة العالم الأمازيغي مرمية في الشارع وداخل مرآب السيارات بالمعرض الدولي للكتاب، بعدما قمنا بتوزيعها مجانا على الزوار إيمانا منا بأن الثقافة والمعرفة جزء من النضال الحقيقي.
كان المشهد مؤلما. لم أكن أرى مجرد أوراق تداس بالأقدام، بل كنت أرى سنوات من التضحيات المادية والمعنوية وسنوات من العمل والإيمان بالقضية ترمى بلا اكتراث تحت عجلات السيارات.
ويزداد الإحساس بالخذلان حين نتعب في إعداد خبر أو تحقيق أو حوار، ثم لا يلتفت إليه أحد، ولا يتقاسمه أحد، وكأنه غير موجود أصلا. لكن المفارقة أن الخبر نفسه، حين يعاد نشره في منصات ومواقع أخرى، يتحول فجأة إلى مادة منتشرة ومتداولة، وكأن المصدر الأصلي لا قيمة له، وكأن الجهد الحقيقي لا يستحق الاعتراف.
وهنا يبدأ السؤال المؤلم، هل أصبح النجاح داخل الفضاء الأمازيغي نفسه يثير الحساسية أكثر مما يثير الفخر الجماعي؟ وهل تحول بعض المناضلين إلى ممارسة نفس الإقصاء الذي اشتكوا منه لعقود طويلة؟
مع مرور السنوات، بدأت أقتنع أن ما نعيشه يتجاوز مجرد خلافات فكرية أو سياسية طبيعية، بل نحن أمام ما أسميته بـ”سلم الكراهية”. سلم يبدأ من الداخل قبل الخارج.
تبدأ درجاته الأولى حين يعجز البعض عن الفرح لنجاح مناضل آخر، أو عن الاعتراف بمجهود غيره. ثم تتوسع داخل بعض التيارات القومية والإسلامية التي ما تزال تعتبر الأمازيغية تهديدا، رغم كل التطورات الدستورية والسياسية والعلمية التي أكدت عمقها التاريخي والحضاري. بل إن بعضهم صار يعادي حتى الحقائق العلمية نفسها، من التاريخ إلى الأركيولوجيا إلى علم الجينات، فقط لأنها تنصف الرواية الأمازيغية وتدعم مشروعية مطالب الحركة الأمازيغية.
ثم تتخذ هذه الكراهية للأسف بعدا خارجيا، نراه يوميا في حملات السخرية والعداء ضد المغرب والمغاربة كلما حقق هذا البلد نجاحا أو تألقا في أي مجال.
لكن أخطر درجات هذا السلم ليست تلك القادمة من الخارج، بل تلك التي تنمو داخلنا بصمت، لأنها تدمر الثقة، وتفسد العلاقات، وتحول كل نجاح إلى تهمة، وكل اجتهاد إلى مناسبة للتشكيك والتصفية الرمزية.
ورغم كل شيء، ما زلت أؤمن أن القضية الأمازيغية أكبر من الأشخاص، وأكبر من الحسابات الضيقة، وأكبر من هذا الكم من التعب النفسي الذي نحمله أحيانا بصمت.
لأن الأمازيغية، بالنسبة إلي، لم تكن يوما وسيلة للزعامة ولا بابا للارتزاق، بل كانت دائما قضية كرامة وهوية وعدالة ومصالحة حقيقية مع الذات المغربية.
ولهذا سنواصل الطريق، حتى وإن كان بعض الجرح يأتي أحيانا ممن كنا نعتقد أنهم الأقرب إلينا.
وقديما قال الحكيم الأمازيغي:
ⵡⴰⵏⵏⴰ ⵉⵙⵙⵓⴼⵙⵏ ⵙ ⵉⴳⵏⵏⴰ, ⵟⵟⴰⵔⵏ ⴰⵙ ⵉⵙⵓⴼⵙⴰⵏ ⵅⴼ ⵓⴷⵎ ⵏⵏⵙ
Wanna yssufsn s ignna, TTarn isufsan xf udm nns
بمعنى: من يبصق وجهة السماء يتلق بصاقه على وجهه.
صرخة العدد 305 يونيو 2026/2976– جريدة العالم الأمازيغي

