أخبار عاجلة

امتلاك السردية: نحو مدرسة وطنية أمازيغية لإعادة بناء الذاكرة الجماعية

بمناسبة صدور هاذين الكتابان وتثمينا لهذه التجربة المتقدمة في الكتابة التاريخية، أريد أن اقول. أن استحضار الذاكرة الجماعية لا ينبغي أن يبقى مجرد فعل سردي يستعيد صور الماضي، بل يجب أن يتحول إلى مشروع ثقافي وتاريخي يعيد بناء وعينا بذاتنا الجماعية، ويحرّر علاقتنا بالتاريخ من القراءة الأحادية التي اختزلت المغرب في مركزيات ضيقة وهمّشت عمقه الأمازيغي باعتباره أحد الأسس الكبرى لتكوينه الحضاري. فالشخصيات التي تتحرك داخل فضاءات مشبعة بالرموز والدلالات التاريخية ليست مجرد أدوات فنية، وإنما هي تمثيلات لذاكرة شعب ظلّ يبحث عن صوته الحقيقي داخل تاريخ كُتب في كثير من مراحله بمنطق السلطة والانتصار لا بمنطق الإنسان والتعدد.

ومن هنا تصبح اللغة أكثر من وسيلة للتعبير؛ إنها أداة مقاومة وكشف وإعادة تركيب للوعي. وعندما يتداخل النسق العميق مع الإيقاع اليومي والأمازيغي والمحكي، فإن الكتابة تستعيد طبيعتها الحية، وتتحول إلى فضاء تتجاور فيه الذاكرة الشعبية مع المرجعية الفكرية، والأسطورة مع الوثيقة، والشفهي مع المكتوب. وهذا التعدد ليس مجرد اختيار جمالي، بل هو إعلان عن هوية مغربية مركبة لا يمكن فهمها خارج روافدها الأمازيغية والتاريخية العميقة.

إنّ حاجتنا اليوم إلى تطوير تجربتنا الكتابية تنبع من ضرورة تأسيس مدرسة وطنية أمازيغية جديدة في الكتابة والتأريخ، مدرسة لا تكتفي بالدفاع الرمزي عن الثقافة الأمازيغية، بل تجعل منها إطاراً معرفياً لإعادة قراءة تاريخ المغرب كله. فالتاريخ المغربي لم يكن يوماً تاريخ السلالات وحدها، ولا تاريخ المدن المركزية فقط، بل هو أيضاً تاريخ القبائل والجبال والقرى واللغات الشفوية والمقاومات المنسية والتحولات الاجتماعية التي صنعت الشخصية المغربية عبر قرون طويلة.

هذه المدرسة المقترحة ينبغي أن تنطلق من إعادة الاعتبار للذاكرة الجماعية باعتبارها مصدراً للمعرفة، لا مجرد مادة فولكلورية. فالحكايات الشعبية، والأشعار الأمازيغية، والأساطير المحلية، وأسماء الأمكنة، والطقوس الجماعية، كلها نصوص تاريخية موازية تكشف ما أخفته الكتابات الرسمية. ومن خلال تحويل هذه العناصر إلى مادة أدبية وفكرية، يمكن للكتابة المغربية أن تنتقل من التكرار إلى التأسيس، ومن استهلاك النماذج الجاهزة إلى إنتاج رؤية وطنية جديدة للتاريخ والإنسان.

كما أن إعادة كتابة تاريخ المغرب في إطار رؤية وطنية أمازيغية لا تعني الانغلاق العرقي أو إقصاء المكونات الأخرى، بل تعني تحرير التاريخ من القراءة الاختزالية، وإعادة بناء مفهوم الوطن على أساس التعدد والتراكم الحضاري. فالأمازيغية هنا ليست هوية مغلقة، وإنما أفق ثقافي يعيد وصل المغرب بجذوره العميقة في شمال إفريقيا، ويمنحه القدرة على فهم ذاته خارج الصور المستوردة أو السرديات المفروضة.

إنّ تطوير تجربتنا الكتابية يقتضي أيضاً تجاوز الأدب الذي يصف الواقع نحو أدب يفكك البنيات العميقة للذاكرة المغربية، ويكشف كيف تشكلت علاقتنا بالسلطة واللغة والأرض والزمن. فالكاتب لم يعد مجرد راوٍ للحكاية، بل صار مؤرخاً للوجدان الجماعي، ومنقباً في الطبقات المنسية من الوعي الوطني. ومن خلال هذا الدور، تصبح الكتابة فعلاً تاريخياً يساهم في إعادة تشكيل الهوية المغربية على أسس أكثر عدلاً وعمقاً وانفتاحاً.

وبذلك، فإن مشروع الكتابة الوطنية الأمازيغية ليس مجرد اتجاه أدبي، بل هو مشروع حضاري يروم إعادة بناء الإنسان المغربي في علاقته بتاريخه، وإحياء ذاكرته الجماعية، وتمكينه من امتلاك سرديته الخاصة داخل عالم سريع التحول، عالم لا مكان فيه للشعوب التي تنسى تاريخها أو تترك الآخرين يكتبونه عنها.

الحسين بوالزيت

صحافي وباحث في التاريخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *