تنتقل بنا الرواية إلى فضاء الحافلة، ذلك الميكروكوزم (المجتمع المصغر) الذي يختزل تناقضات المغرب العميق. من محطة “تالبرجت” بـأكادير، تبدأ الرحلة التي تبدو عادية في ظاهرها، لكنها محفوفة بالرموز المقلقة. السائق ذو النظارات السوداء، الشاشة المتوقفة عند الساعة الثالثة ودرجة الحرارة صفر، والرائحة التي تتأرجح بين الزكاوة والنتانة؛ كلها “أشواك” سردية تزرع الشك في يقين الواقع.
عبر الحوار مع “الفنان التشكيلي” وكتاب ميشيل فوكو “تاريخ الجنون”، تفتح الرواية جراح الهوية: هل نحن “شرقيون” كما يزعم الشاب، أم أن لنا إسلاما وفنا مغربيا أصيلا كما يصر “باها بالحوس”؟ ثم تأتي العجوز اليهودية وزوجها “موشي” لتضيف لونا تاريخيا منسيا من جغرافيا الأجداد (تارودانت، طاطا، أقا، تاكموت وإفران وتيمولاي)، في مشهد عبقري يجمع بين الدعاء (الديني) وبين صراعات الأيديولوجيا المعاصرة.
الذروة السردية تتجلى في “النفق”. هذا الثقب الأسود الذي يخترق الجبل ويخترق وعي الشخصيات. دخول النفق هو لحظة “الاستحالة” الوجودية؛ حيث تصبح الأجساد خفيفة كالسحب، وتتلاشى الذاكرة في ضياء ساطع. السائق الذي يقول: “لقد وصلتم بسلام” لا يقصد مراكش الجغرافية، بل يقصد محطة من العالم الآخر.
في الفصل الخامس من رواية “تيزرزاي ن تاروشت، يبلغ التخييل الروائي ذروة “التجريب”، حيث ينزاح النص عن واقعيته السوسيو-جغرافية ليرتمي في أحضان “الواقعية السحرية” ذات النفس الميتافيزيقي. هنا، تتحول الحافلة من وسيلة نقل بين مدينتين إلى “تابوت سيار” يعبر برزخا غامضا نحو محكمة الأرواح. يبدأ الفصل بصمت “جنائزي” ثقيل، حيث لا صوت يعلو فوق صوت “الهموم” التي تبتلع الركاب. يبرع الكاتب هنا في توظيف “سيميولوجيا الأشياء”؛ فالشاشة المعلقة فوق رأس السائق، تلك التي تجمدت ساعتها وحرارتها منذ الانطلاق، لم تكن مجرد عطل تقني، بل كانت إشارة رمزية إلى “خروج البطل من الزمن الخطي” ودخوله في زمن الأبدية. إن توقف الساعة عند الثالثة هو إعلان عن “موت الوقت” وبداية زمن الرؤيا. يمثل النفق في الرواية “رحما” سرديا يعاد فيه تشكيل وعي البطل. ما إن يلج “باها بالحوس” هذا الثقب الجبلي حتى يتحلل جسده من ثقل المادة؛ فيصبح خفيفا كالسحب، وتتلاشى ذاكرته في وهج البياض الساطع. السائق هنا ليس مجرد موظف، بل هو “دليل الأرواح” الذي يعلن ببرود مريب: “لقد وصلتم بسلام”.
إن المحطة التي توقفت فيها الحافلة في نهاية النفق، المكتظة بحافلات مجهولة وركاب مدهوشين، هي تجسيد مادي لفكرة “البرزخ”. هنا تبدأ “إبستيمولوجيا الحواس الجديدة”؛ فالصوت لا يُسمع بالأذن بل “يُستشعر”، والأحاسيس تتصاعد كبخار ملون، والألوان لغة يعجز حتى الفنانون عن فك طلاسمها.
تصل الرواية إلى قمة دهشتها في مشهد “قصر الأرواح”. نجد أنفسنا أمام “ميتارواية” تحاكم الوجود الإنساني عبر رموز بصرية باذخة. قطعة الألماس التي تطلب المرأة من “باها” لمسها لكونها مرآة عاكسة للروح؛ فبياضها يتعكر بمجرد ملامسة كدر الروح البشرية. ويلفت الانتباه ذلك المشهد السريالي للرضع الذين يحلقون كالعصافير، يرضعون من أثداء أمهاتهم ثم يطيرون مجددا. إن هذا المسخ الجمالي (تحول الرضيع إلى عصفور) هو انتصار للبراءة في عالم محكوم بـ “الانتظار والترقب”، اللذين يصفهما الكاتب بأنهما “العذاب الحقيقي”.
وخلف الطاولة الألماسية، نلتقي بـ “الشاب والشابة”، وهما تجسيد لملائكة الحساب في قالب حداثي. الحوار هنا لا يدور حول “الذنب” بمفهومه التقليدي، بل حول “تساوي كفتي الخير والشر” كشرط للعودة. إن عرض “شريط الحياة” أمام باها هو قمة المواجهة مع الذات؛ حيث يغدو الإنسان مشاهدا وحكماً على مصيره في آن واحد.
ينتهي الفصل ما قبل الأخير بعودة البطل إلى “الحافلة”؛ عودة محفوفة بالريبة والبرود. السائق ذو النظارات السوداء لا يزال هناك، يقول له بكلمة واحدة: “اصعد”. هذه الكلمة هي جسر العودة من عالم “النور” إلى عالم “الأشواك”، مما يمهد للصدمة الختامية التي ستكشف لنا أن كل هذا البناء الفنتازي لم يكن سوى رقصة الروح في ردهات الغيبوبة.
يأتي الفصل السادس ليضرب عرض الحائط بكل ما توهمناه واقعا. العودة إلى مائدة الإفطار وعتاب الزوجة حول “الكلاب والقطط” لم تكن سوى الرمق الأخير من حلم الحياة قبل السقوط في بياض المستشفى البارد. “باها بالحوس” لم يصل مراكش، بل سكن النفق الذي صار ضريحه ومحكمته. الغيبوبة هي التي رسمت تلك الحافلة، وتلك الشخصيات، وتلك المحكمة الألماسية.”تيزرزاي ن تاروشت” ليست مجرد رواية عن حادث سير، بل هي صرخة جمالية في وجه العبث. إنها نص يحتفي بالحياة عبر رثاء الموت، ويؤكد أن الرواية الأمازيغية قد بلغت الرشد الفني، بقدرتها على تطويع “الواقعية السحرية” والغموض الفلسفي لصياغة مأساة الإنسان المعاصر المعلق بين “أشواك” قدره.
لقد استطاع لحسن زهور في هذه الرواية أن يجعل من “الوصف” أداة لتعرية الروح، محولا المفاهيم الدينية والغيبيات إلى “فرجة جمالية” مدهشة، ليثبت أن الرواية الأمازيغية قادرة على ملامسة الكوني والميتافيزيقي ببراعة. إذ يتجاوز الوصف في هذا المتن الروائي وظيفة التأثيث السردي ليرتقي إلى مستوى الوساطة الأنطولوجية الكاشفة عن تمزقات الذات في برزخ الغيبوبة، محولا المرجعية الغيبية من قوالبها التقريرية والجاهزة إلى فرجة استيتيقية ممعنة في الرمزية. إن هذا الارتقاء بالوصف من رصد المحسوس إلى سبر الميتافيزيقي يعكس وعيا جمالياً بآليات التجريب الروائي، ويؤكد قدرة الخطاب الروائي الأمازيغي على الانخراط في الأسئلة الوجودية الكبرى، محققا بذلك تزاوج البراعة السردية بين عمق الموروث الرمزي المحلي وبين طليعية التجريب السردي المعاصر.
صالح أيت صالح
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر
