كتاب وآراء

هل كنا بحاجة إلى تغيير كلي لقانون المسطرة المدنية؟


 

الأستاذ رشيد امسكينمحام بهيئة المحامين بأكادير
الأستاذ رشيد امسكين
محام بهيئة المحامين بأكادير

كلما اطلعت على قانون المسطرة المدنية الجديد، وجدت نفسي أمام سؤال يتجاوز مضمون المقتضيات المستحدثة إلى فلسفة التشريع وتقنياته هل كانت إصلاحات المسطرة المدنية تستدعي فعلا نسخ القانون الصادر سنة 1974 وإعادة صياغته في نص جديد، أم كان بالإمكان تحقيق الغاية ذاتها من خلال مراجعة شاملة لمقتضياته، مع الإبقاء على بنيته العامة وإدخال ما يلزم من تعديلات وتتميمات؟

 

لا جدال في أن التشريع، شأنه شأن مختلف مناحي الحياة، يحتاج إلى التطور ومواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والقضائية. كما أن قانون المسطرة المدنية، بحكم اتصاله المباشر بحقوق المتقاضين وضمانات المحاكمة العادلة وفعالية العدالة، يظل من أكثر النصوص القانونية حاجة إلى المراجعة المستمرة غير أن الإشكال لا يكمن في ضرورة الإصلاح، وإنما في المنهج التشريعي الذي ينبغي اعتماده لتحقيقه.

فالتحديث التشريعي لا يعني بالضرورة القطيعة مع النص السابق، كما أن جودة الإصلاح لا تقاس بمدى قدرته على استبدال قانون بآخر، وإنما بقدرته على معالجة الاختلالات القائمة، وسد الثغرات، وتجاوز أوجه القصور، دون إهدار ما أثبت فعاليته واستقراره في الممارسة.

إن قانون المسطرة المدنية لسنة 1974 لم يكن مجرد نص تشريعي جامد، بل كان إطارا قانونيا تشكّلت في ظله، وعلى مدى أكثر من خمسين سنة، ممارسة قضائية متراكمة، واجتهادات لمحكمة النقض ومحاكم الموضوع، وتفسيرات فقهية، وقواعد إجرائية استقر العمل على تطبيقها وبذلك، لم تعد قيمته محصورة في ألفاظ مواده، بل امتدت إلى الرصيد الاجتهادي الذي نشأ حولها، وأصبح جزءا من الذاكرة القانونية للممارسة القضائية.

ومن هنا، يبرز أحد أهم الأسئلة التي يثيرها النسخ الكلي للقانون ما مصير هذا الرصيد الاجتهادي في ظل النص الجديد؟ وهل سيستمر القضاء في الاستناد إلى الاجتهادات السابقة متى كانت المقتضيات الجديدة مماثلة للنصوص الملغاة في مضمونها وغايتها؟ أم أن تغيير الإطار التشريعي سيؤدي، في بعض المجالات، إلى إعادة فتح نقاشات قانونية سبق أن حسمها الاجتهاد القضائي، بما قد يترتب عن ذلك من اختلاف في التأويل وتباين في التطبيق؟

لا يعني ذلك أن الاجتهادات السابقة ستفقد قيمتها لمجرد صدور قانون جديد، أو أن كل تغيير تشريعي يقتضي بالضرورة البدء من نقطة الصفر؛ فمدى استمرار الاستناد إليها يظل مرتبطًا بطبيعة المقتضيات الجديدة ومدى تطابقها مع النصوص السابقة. لكن المؤكد أن إعادة صياغة النصوص تفرض على القاضي والمحامي والباحث التحقق من مدى استمرار صلاحية الحلول القضائية السابقة، وهو ما قد يفتح المجال أمام نقاشات كان من الممكن تفادي بعضها لو اعتمد المشرع منهجا أكثر تدرجا في الإصلاح.

ثم إن التغيير الكلي لا يقتصر أثره على النصوص وحدها، بل يمتد إلى الممارسة اليومية لمختلف الفاعلين في منظومة العدالة؛ إذ يصبح لزامًا عليهم إعادة قراءة المقتضيات، وفهم العلاقات التي تربط بينها، واستيعاب المستجدات، وتحديد ما استمر من القواعد السابقة وما طرأ عليه من تغيير وتزداد هذه المهمة صعوبة كلما شابت بعض النصوص الجديدة إشكالات في الصياغة أو غموض في الدلالة أو تعدد في التأويلات الممكنة.

ولعل السؤال الذي يستحق النقاش، في هذا السياق، ليس ما إذا كان من حق المشرع إصدار قانون جديد، فذلك من صميم اختصاصه، وإنما ما إذا كان النسخ الكلي هو الخيار التشريعي الأكثر ملاءمة لتحقيق أهداف الإصلاح، أم أن مراجعة القانون القديم مراجعة عميقة ومدروسة كانت ستتيح تطويره مع الحفاظ على استمرارية بنيته التشريعية والاجتهادية.

ففي مجال المسطرة المدنية، حيث تتشابك القواعد الإجرائية مع الحقوق الموضوعية وضمانات التقاضي واستقرار المعاملات، لا ينبغي أن يكون التغيير غاية في ذاته، بل وسيلة لمعالجة اختلالات محددة وتحقيق نجاعة قضائية ملموسة. وليس كل نص جديد بالضرورة أفضل من سابقه لمجرد أنه أحدث منه، مثلما أن الحفاظ على القانون القديم لا يعني الدفاع عن جميع مقتضياته أو إنكار الحاجة إلى إصلاحه.

إن الإصلاح التشريعي الرصين هو الذي يميز بين ما استنفد مبررات بقائه، وما أثبتت التجربة جدواه؛ فيغير الأول، ويُطوّر الثاني، ويستحضر في الحالتين كلفة الانتقال وآثاره على الأمن القانوني ووحدة الاجتهاد القضائي.

فهل كنا بحاجة فعلا إلى تغيير كلي لقانون المسطرة المدنية، أم كان يكفي إصلاحه من الداخل، بما يحفظ استمرارية الذاكرة التشريعية ويصون الرصيد الاجتهادي الذي راكمه القضاء على مدى عقود؟

ذلك أن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بحجم ما يُلغى من نصوص، بل بمدى ما يُضاف إلى العدالة من وضوح وفعالية واستقرار. فالحداثة التشريعية لا تستلزم القطيعة مع الماضي، والاستقرار لا يعني الجمود، وإنما يكمن التحدي في القدرة على تطوير القانون دون التفريط في المكتسبات التي راكمتها الممارسة القضائية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى