أخبار عاجلة

الأدب الأمازيغي المكتوب في المغرب من منظور التحليل السوسيولوجي للمجالات المهيمنة

دكتور مزيان رحو باحث في الأدب والترجمة الأمازيغية

يشكل الأدب الأمازيغي المكتوب في المغرب اليوم موضوعًا متميزًا من حيث الدراسة السوسيولوجية للإنتاج الثقافي مقارنة بوضعية الهيمنة الرمزية للإنتاجات الأدبية باللغات الأخرى كالعربية والفرنسية. على الرغم من التقدم المؤسساتي الذي تم إحرازه منذ بداية القرن الحادي والعشرين، لا يزال هذا المجال الأدبي هشًا وضعيفًا، غير منظم وغير مستقل بشكل كافٍ. ومن أجل إبراز هذا النقص وهذه الهشاشة لا بد من اللجوء إلى السياقات النظرية القادرة على ربط الأبعاد الاجتماعية واللغوية والرمزية للإبداع الأدبي بصفة عامة داخل الحقل الأدبي المغربي. في هذا الصدد فإن أعمال بيير بورديو في المجال الأدبي، وأعمال باسكال كازانوفا في الأدب العالمي، ونظريات تعدد النظم بالإضافة إلى مساهمات علم اللغة الاجتماعي الأمازيغي، توفر أدوات تحليلية فعالة وفعلية على وجه الخصوص.

الحقل الأدبي الأمازيغي وفقا لمفهوم عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو

وفقاً لبيير بورديو، فإن المجال الأدبي هو فضاء اجتماعي مستقل نسبياً، تحكمه علاقات القوى بين الفاعلين (الكتاب والناشرون والنقاد والمؤسسات) ويتم تنظيمه من خلال توزيع أنواع مختلفة من رأس المال: الرمزي والثقافي والاقتصادي والمؤسساتي. غير أن المجال الأدبي الأمازيغي المكتوب في المغرب لا يستوفي هذه الشروط إلا جزئياً. فهو مجال غير مستقل، يعتمد إلى حد كبير على القرارات السياسية والتمويل العام والتوجهات المؤسساتية. إن غياب سوق قابلة للاستمرار للكتاب الأمازيغي، ودور نشر قوية، وآليات تكريم مستقلة (جوائز، مجلات نقدية، هيئات جامعية متخصصة) يعيق تشكيل فضاء أدبي مكتفٍ ذاتياً.

وفقاً لمفهوم بورديو، فإن الاعتراف الأدبي يعتمد على تراكم رأس المال الرمزي. إلا أن الأدب الأمازيغي المكتوب يعاني من عجز هيكلي في الشرعية. فهو غير موجود تقريباً في المناهج الدراسية، ومهمش في وسائل الإعلام الوطنية، وغائب تقريباً عن الدوائر الأدبية السائدة. ويضع هذا الوضع الكتاب الذين يكتبون باللغة الأمازيغية في موقف خاضع وتحت الهيمنة داخل المجال الثقافي المغربي، بحيث يكون هو بدوره هرمي لصالح الأدب العربي، وبدرجة أقل لصالح الأدب الفرنكوفوني. ويمكن تفسير الإحباط المتكرر لدى المؤلفين بعد نشر أول أعمالهم على أنه تأثير مباشر لضعف العائد الرمزي للكتابة باللغة الأمازيغية.

يؤكد بورديو في طرحه التحليلي على مفهوم الإلوزيو “illusio”، أي الاعتقاد المشترك في أهمية الأدب. في حالة الأدب الأمازيغي، يظل هذا الاعتقاد هشًا. فعدم وجود قراء وآفاق مهنية واسعة النطاق واعتراف المؤسسات يضعف الاستثمار المستدام في هذا المجال وبالتالي، تصبح الكتابة عملاً نضالياً أو هوياتياً أكثر منها التزاماً أدبياً يندرج في مسار مهني.

الأدب الأمازيغي وفقا لمفهوم “الجمهورية العالمية للأدب” لباسكال كازانوفا

في كتابها ”الجمهورية العالمية للأدب“، تحلل باسكال كازانوفا الأدب العالمي باعتباره فضاءً هرمياً تهيمن عليه اللغات المركزية التي تتمتع برصيد أدبي قوي. ومن الواضح أن الأدب الأمازيغي المكتوب يندرج في فئة الأدب المهمش، بل والمهمش للغاية، على الصعيدين الدولي والوطني.

اللغة الأمازيغية، التي طالما تعرضت للتهميش وحرمت من الاعتراف الرسمي، لا تمتلك تراثًا أدبيًا تاريخيًا يضاهي التراث العربي أو الفرنسي. ويؤثر هذا الوضع بشكل مباشر على القيمة الممنوحة للأعمال المنتجة باللغة الأمازيغية، بغض النظر عن جودتها الجمالية الجوهرية.

توضح كازانوفا أن الآداب المهمشة غالباً ما تسعى إلى إثبات شرعيتها من خلال الترجمة والاعتراف الأكاديمي أو المؤسساتي الخارجي. وفي حالة الأدب الأمازيغي، لا تزال هذه الديناميكية في مرحلة مبكرة. فهذه الأعمال نادراً ما تُترجم، ونادراً ما تُدرج في النقاشات الأدبية الوطنية، وتكاد تكون غائبة عن الساحة الدولية.

إن غياب سياسات الترجمة المنهجية يحرم الأدب الأمازيغي من رافعة أساسية للظهور والاعتراف، مما يعزز حصره في مساحة محدودة.

تعتبر حالة محمد شكري (1935-2003) مثالاً نموذجياً لفهم آليات الاعتراف الأدبي في سياق الهيمنة اللغوية والثقافية. شكري، وهو كاتب أمازيغي من أصل ريفي، اختار الكتابة باللغة العربية، وهي لغة تتمتع بقيمة رمزية ومؤسساتية أعلى بكثير من اللغة الأمازيغية. حظيت أعماله، ولا سيما رواية «الخبز الحافي»، باعتراف دولي استثنائي، أولاً من خلال ترجمتها، ثم من خلال تكريسها في الفضاء الأدبي العالمي. تشير كازانوفا إلى أن الأدب المهمش غالباً ما يحظى بالاعتراف الدولي من خلال وساطة المراكز الأدبية المهيمنة، لا سيما عن طريق الترجمة. وتجسد مسيرة شكري هذا الآلية بشكل مثالي.

فقد ترجم بول بولز، وهو شخصية بارزة في المجال الأدبي الدولي، رواية ”الخبز الحافي” إلى الإنجليزية أولاً، قبل أن تترجم إلى الفرنسية والعديد من اللغات الأخرى. تلعب هذه الترجمة دورًا في إضفاء الشرعية الأدبية على العمل: فهي تمنحه قيمة عالمية وتجعله مرئيًا في المراكز المرموقة.

وفقًا لباسكال كازانوفا دائما، فإن الفضاء الأدبي العالمي منظم وفقًا لتسلسل هرمي للغات، حيث تتمتع بعضها برصيد أدبي دولي قوي، بينما تظل لغات أخرى على الهامش. وفي هذا السياق، يبدو اختيار محمد شكري للغة استراتيجية موضوعية للوصول إلى الاعتراف. على الرغم من أن اللغة العربية تهيمن عليها اللغات التي تحتل المركز (الفرنسية والإنجليزية) على الصعيد العالمي، إلا أنها تحتل مكانة متوسطة تتمتع برصيد أدبي قديم ومؤسسات رسمية (دور نشر ونقاد وجامعات) وشبكات ترجمة متفرقة ومتنوعة. على العكس من ذلك، فإن اللغة الأمازيغية، وهي لغة غير موحدة وقليلة المؤسسات، تقع خارج الخريطة الفعلية للجمهورية العالمية للآداب.

في أحد جوانب البحث عن الحقيقة لا يمكن تفسير النجاح العالمي لمحمد شكري على أنه نجاح للأدب الأمازيغي، بل بالأحرى على أنه علامة على استحالة وجوده تاريخياً. لكي يوجد من الناحية الأدبية، كان على شكري أن يخرج لغوياً من الأمازيغية، مع الحفاظ على ذاكرة ثقافية أمازيغية مشتركة حاضرة بقوة في مواضيعه وشخصياته وعالمه.

مفهوم آخر أساسي لدى كازانوفا لا بد التطرق إليه هو مفهوم التخلف الأدبي “retard littéraire ، ليس باعتباره عيباً جوهرياً، بل باعتباره نتيجة للتاريخ السياسي واللغوي. فالأدب الأمازيغي المكتوب يعاني من تأخر زمني، نظرا لهيمنة الأدب الشفهي من جهة ونتيجة لعقود من استبعاد اللغة الأمازيغية من مجالات الشرعية الثقافية والتعليمية من جهة أخرى.

من المنظور السوسيولغوي الأمازيغي فإن النظام الثقافي واللغوي الوطني المغربي يعاني من حالة معقدة من التباين اللهجاتي (تارفيت، تاشيلحيت، تمازيغت)، مقترنة بثنائية لغوية مؤسساتية مستمرة. وتنعكس هذه الحقيقة اللغوية بشكل مباشر على الإنتاج الأدبي المكتوب بالأمازيغية. ومن خلال هذا التشرذم وغياب المعيارية الكتابية يؤدي الى تجزئة القراءة والقراء ويحد من تداول الأعمال خارج مناطق منشأ المؤلفين.

الأدب الأمازيغي المكتوب كنظام هامشي من منظور نظريات تعدد الأنظمة

تقدم نظرية النظم المتعددة، التي طورها إيتامار إيفن-زوهار، تصوراً ديناميكياً للأدب باعتباره مجموعة من النظم المتفاعلة، مرتبة هرمياً بين مركز وأطراف، وتشهد تحركات مستمرة. عند تطبيق هذه النظرية على الأدب الأمازيغي المغربي، فإنها تسمح بتجاوز القراءة المؤسساتية أو السياسية البحتة، من أجل تحليل الوظائف الفعلية للأدب الأمازيغي المكتوب في النظام الأدبي الوطني. أما أعمال جدعون توري، وهي امتداد منهجي لهذه النظرية في مجال علم الترجمة الوصفي، فتوفر أدوات قيّمة لتحليل معايير إنتاج وترجمة واستقبال النصوص الأمازيغية.

وفقًا لإيفن-زوهار، فإن الآداب الوطنية هي أنظمة متعددة تتكون من أنظمة فرعية (لغات، أنواع، أجناس أدبية) مرتبة هرميًا بشكل غير متماثل. في النظام المتعدد المغربي، يحتل الأدب الأمازيغي المكتوب موقعًا هامشيًا من الناحية الهيكلية، حيث يهيمن عليه الأدب العربي (المركز الرمزي)، وبدرجة أقل، الأدب الفرنسي (المركز الثانوي). وينعكس هذا الموقع الهامشي في ضعف القدرة على الابتكار المعترف بها، الاعتماد على النماذج المركزية، ومحدودية الظهور في دوائر النشر والإعتراف.

في نظام هامشي كيفما كان، حسب إيفن-زوهارإن فإن بعض الأجناس الأدبية تميل إلى الظهور متأخرة وبأشكال غير مستقرة. وهذا هو الحال بالضبط بالنسبة للرواية الأمازيغية والمسرحيات المكتوبة والقصص القصيرة، التي لا تزال قليلة من حيث الكم وتتميز بشدة بالشفوية، والاستعارة من النماذج السردية العربية أو الغربية، وتردد شكلي مرتبط بغياب تقليد كتابي عريق.

إنّ الأدب الأمازيغي المكتوب ليس أدباً «متأخراً» بالمعنى الزمني أو الجمالي، ولا يمكن اختزال وضعيته في منطق النقص أو القصور الإبداعي، بقدر ما هو أدب مكبَّل بشروط إنتاج غير متكافئة، ونتاج علاقات قوة لغوية وثقافية وسياسية لم تسمح له بعد بالتحول إلى حقل أدبي مستقل وفاعل. فالتأخر هنا ليس خاصية داخلية للنصوص، بل هو أثر مباشر لوضعية التهميش التاريخي للغة الأمازيغية داخل الفضاء العمومي، ولمحدودية رأس مالها الرمزي داخل السوق اللغوية الوطنية.

اقرأ أيضا

ما معنى أن تكون مناضلا في الحركة الأمازيغية؟

أمينة ابن الشيخ أوكدورت  أكتب هذا الكلام لا من موقع المراقب البعيد، ولا من موقع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *