
يأتي الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية ليوم الجمعة 10 أكتوبر في لحظة وطنية دقيقة، تتجه فيها الأنظار إلى ورش إصلاح المرافق العمومية والقطاعات ذات الطبيعة الاجتماعية، وعلى رأسها التعليم والصحة ومحاربة الفساد. فقد كان الجميع ينتظر خطاب جلالة الملك، إدراكًا بأن توجيهاته لطالما شكّلت البوصلة التي تضبط إيقاع العمل العمومي وتمنح الإصلاح معناه الحقيقي في الميدان. فخطابات جلالته لم تكن يومًا مجرد رسائل سياسية آنية، بل خارطة طريق متكاملة تحدد المسؤوليات وتدعو إلى ربطها بالمحاسبة والنتائج.
وفي هذا السياق، شدد الخطاب الملكي على أن النهوض بأوضاع المواطنين لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تعبئة جماعية وتحمّل مشترك للمسؤولية. فالمجالس المنتخبة مطالبة بالقيام بدورها في تدبير الشأن المحلي وتحسين الخدمات اليومية للمواطنين بفعالية وشفافية. والبرلمانيون بدورهم مطالبون بتجويد التشريع ومناقشة القوانين بروح وطنية مسؤولة، لا بمنطق المزايدات الحزبية. أما الحكومة، فعليها أن تضطلع بدورها في تنسيق الأوراش الكبرى وضمان الانسجام بين السياسات العمومية على المستويين الوطني والترابي. فالتنمية، كما أكّد الخطاب، ليست مسؤولية جهة واحدة، بل ورش وطني تتكامل فيه الجهود تحت قيادة جلالة الملك.
غير أن النقاش حول الإصلاح الاجتماعي لا ينبغي أن يجعلنا نغفل عن إحدى القضايا الوطنية الكبرى التي يلح عليها جلالة الملك باستمرار، وهي القضية الأمازيغية. فترسيخ الأمازيغية لغةً وثقافةً وهويةً ليس شأنًا ثقافيًا ثانويًا، بل هو ركيزة أساسية لبناء الدولة الاجتماعية الحديثة التي تضمن المساواة والعدالة والكرامة لجميع المواطنين. إن الحقوق اللغوية والثقافية ليست ترفًا فكريًا، بل هي شرط لتحقيق العدالة المجالية والتنمية المتوازنة.
ولا يمكن الحديث عن تعليم نافع، أو صحة جيدة، أو محاربة فعالة للفساد، في غياب لغة مشتركة يفهمها المواطن ويتواصل بها مع مؤسساته. فالتواصل الفعّال هو أساس الثقة والمشاركة، ومن دونه تبقى السياسات العمومية بعيدة عن واقع الناس وانتظاراتهم. ومن هنا، فإن النهوض بالأمازيغية لا يجب أن يُنظر إليه كقضية جانبية، بل كجزء لا يتجزأ من الإصلاح الاجتماعي ذاته، وضمانة لتكافؤ الفرص أمام جميع المغاربة.
إن جوهر الخطاب الملكي هو دعوة صريحة إلى وعي جديد بالمسؤولية، وإلى عمل مؤسساتي متكامل يضع المواطن في قلب التنمية. فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالشعارات أو بتبادل الاتهامات، بل بالعمل الجاد والمشترك بين كل الفاعلين: المنتخبين في جماعاتهم الترابية، والبرلمانيين في مجال التشريع والمراقبة، والحكومة في التخطيط والتنسيق، حتى يتحقق ما يصبو إليه المغاربة من عدالة اجتماعية، وإنصاف لغوي وثقافي، وتنمية متوازنة وشاملة.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر