أخبار عاجلة

 أزواد تاريخي وجغرافي وواقع

Mahfouz Ag. Adnane

تعني كلمة «أزواد» (وتُكتب أيضاً «أظواد») الأراضي المسطحة بلغة تماشق (لغة الطوارق). وتظهر هذه التسمية في البحوث بصيغ مختلفة مثل “أزواد” أو “أزواغ” أو “أظواد”، تَبَعاً لاختلاف النطق بين مناطق الطوارق. وفي المقابل، يرفض العديد من الباحثين والسياسيين الماليين مصطلح “أزواد”، مستندين إلى أنه تاريخياً لم تكن هناك إمبراطورية أو مملكة عُرفت بهذا الاسم. إلا أنهم يناقضون أنفسهم حين يقرّون بأن أصل التسمية يعود إلى منطقة رعوية تقع بين تمبكتو وأروان، وهو ما يعدّ دليلاً كافياً على الوجود التاريخي والفعلي لأزواد، رغماً عن محاولات طمسه. ورداً على هذا الطرح، نذكّر بأن اسم دولة “مالي” (أو مللي) نفسه كان في الأصل مجرد اسم لقرية صغيرة؛ ولمن أراد التوسع في هذا السياق، يمكنه الرجوع إلى كتاب “تاريخ السودان”.”

وفي السياق ذاته، يخرج علينا مدّعي بحثٍ فرنسي لينفي تاريخ أزواد وصلتها بالطوارق، لكن حسن الحظ يوقعه في فخ التناقض حين يؤكد أن أزواد هي المنطقة المسطحة الواقعة بين تمبكتو وأروان. وما يجهله هذا الطرح الخادم للمصالح الاستعمارية الفرنسية وربيبتها مالي، هو أن ‘تين بكتو’ أسستها قبائل ‘إيمقشرن’. وقد أكد عبد الرحمن السعدي أنهم كانوا يرعون مواشيهم في مواسم الأمطار حتى أروان. والمفارقة الكبرى هي أن هذا المفتري يقر بأن الكلمة تعني في تماشق الإناء الكبير ومن ثم أطلقوه على هذه المنطقة، إذ إن المنطقة التي يقر أعداء أزواد بوجودها هي نفسها موطن أصلي تاريخي لقبائل طارقية مشهورة في غرب أزواد وهم إيمقشرن ومازالوا موجودين حتى اليوم.

تاريخياً، تزخر المصادر والمراجع التاريخية والمقالات المنشورة في المجلات العلمية العالمية بمصطلح «أزواد» للإشارة إلى المنطقة الواقعة شمالي مالي الحالية. وفي هذا السياق، يُجمع العديد من الباحثين على أن «أزواد» إقليم قائم بذاته، وله حدوده الطبيعية الواضحة، كما أنه عُرف باسمه هذا منذ عدة قرون ولم تربطه علاقة بمالي إلا بعد استقلالها عام 1960م بعد رحيل الاستعمار الفرنسي. ومن أبرز هؤلاء الباحثين غايل باريان( )، حيث يقول: “سمعنا من الكثير من الماليين —سواء كانوا أنثروبولوجيين أو سياسيين وأكاديميين— منذ بداية الحرب الأخيرة في مالي [2012]، يزعمون أن “أزواد” اسم اصطناعي وحديث ليس له أي أساس تاريخي، لكن كلامهم هذا مجافٍ للحقيقة تماما”.

فالحقيقة أنَّ مصطلح “أزواد” قديمٌ جداً؛ إذ ذكره ليون الأفريقي عام 1550م في كتابه “وصف أفريقيا”، وظهر كذلك في خريطة “آير”( ) و”ويت”( ) الصادرة عام 1651م، حيث حُدِّد موقعه شمال تمبكتو. كما أن السلطات المالية نفسها اعترفت بالاسم رسمياً في وثائق رسمية كالميثاق الوطني لعام 1992م المنشور في الجريدة الرسمية، والذي نص على: “أنَّ حكومة جمهورية مالي غير معترضة على تسمية المحافظات الثلاث بـ’أزواد’ {…}، ويبقى الحق محفوظاً للسكان في اختيار تسمية أراضيهم”( ). وجغرافياً، يشمل أزواد كل الإقليم الصحراوي الممتد من نهر النيجر حتى الحدود الجزائرية( )”. كما يؤكد غايل.

وعلى كلّ حال، فإنَّ أزواد حقيقةٌ قائمة، وتسمية الإقليم بأكمله بهذا الاسم تتبع قاعدة لغوية وتاريخية معروفة وهي «إطلاق الجزء على الكل». فكثير من الدول المعاصرة —مثل تونس والجزائر والمغرب ومصر— سُميت تيمناً بمدن أو أقاليم تاريخية فيها. وبناءً على ذلك، فإنَّ «أزواد» هو الإقليم الشامل الذي يضم اليوم تمبكتو (تين بكتو)، وغاو، وكيدال، ومناكا، وتاودني؛ وهو فضاء جغرافي واسع يمتد من حدود موريتانيا غرباً حتى حدود النيجر شرقاً.”

يقع إقليم «أزواد» ضمن النطاق الجغرافي للصحراء الكبرى ومنطقة الساحل الأفريقي( ). وتُعدّ مدينة غاو (جوجو) حاضرة الإقليم وأكبر مدنه، بينما تأتي تمبكتو (تين بكتو) في المرتبة الثانية، تليها كيدال، ثم مدن وحواضر أخرى مثل: مناكا، وأفود (أنسونغو)، وإنبوراغن (بوريم)، وغوندام، وديري، وغوسي. ورغم أن تاودني أُعلنت محافظة منذ عام 2011م، إلا أن تلك المدن تظل أكبر منها مساحةً وسكاناً. هذا وتظل جوهرة الصحراء، مدينة العلم والعلماء، تمبكتو العجيبة هي العاصمة الثقافية الراسخة للإقليم بلا منازع لما تشتمل مكتبات مليئة بالمخطوطات.

بدأت مطالبات سكان أزواد بالاستقلال عن فرنسا منذ خمسينيات القرن الماضي، وهو ما أسفر عن تأسيس «التنظيم المشترك للأقاليم الصحراوية» في العاشر من يناير 1957م. ومن أبرز محطات هذا التاريخ، الرسالة التاريخية لعام 1958م الموجهة إلى الجنرال ديغول، والتي وقع عليها قادة وزعماء ونبلاء مختلف مكونات الإقليم من طوارق وسنغاي وعرب وفولان. وتُعد هذه الرسالة اليوم —في نظر المهتمين بالشأن الأزوادية— الوثيقة التأسيسية للمطالب الحالية، حيث حظيت بتأييد أكثر من ثلاثمائة وخمسين من أهم شخصيات الإقليم آنذاك، وعلى رأسهم قاضي تمبكتو الشيخ محمد محمود الأرواني السوقي التادمكتي الصنهاجي.

ومن خلال هذه العريضة، عبّر الأزواديون عن رفضهم القاطع للاندماج أو الانضمام إلى مستعمرة «السودان الفرنسي» (مالي لاحقاً)، والذي كان قادته يستعدون آنذاك لنيل الاستقلال بعد أن كانت فرنسا قد ألحقت إقليم أزواد به إدارياً. وأوضح الموقعون في تلك الوثيقة أن هويتهم الإسلامية ومصالحهم وثقافتهم تختلف تماماً عن قوميات الماندينغو التي تشكّل الأغلبية في جنوب السودان الفرنسي، وفي مقدمتها البمبارا، الذين كان معظمهم آنذاك متمسكين بدياناتهم التقليدية (الإحيائية)، امتداداً لإرث «مملكة بمبارا الوثنية» في سيغو وكيتا والمناطق الممتدة بينهما (بماكو وكوليكورو) كما أن قبائل مثل البوبو والبوزو والدوغون كان انتشار الاسلام فيها قليل جدا.

“وبناءً على ما تقدّم، فإنَّ إمعان النظر في تاريخ المنطقة كفيلٌ بأن يُفسّر لنا جذور الصراع الأزوادي – المالي الراهن وأبعاده؛ فالأزواديون لم يطالبوا بالانفصال عن دولة مالي، بل طالبوا باستقلال إقليمهم الصحراوي عن فرنسا في قبل استقلال (السودان الفرنسي) قبل أن يصبح دولة مالي وقبل استقلالها عام 1960م( ).

1. AL-SA’DI, Abderrahmane (عبد الرحمن السعدي). Tarikh al-Sudan (تاريخ السودان). [S. l. : s. n.], [XVIIe siècle]. (Mention historique de la fondation de Tombouctou et du pastoralisme des Imaghcharen).

2. JEAN-LÉON L’AFRICAIN [AL-HASAN IBN MUHAMMAD AL-WAZZAN AL-FASI]. Description de l’Afrique. Tradução de Alexis Épaulard. Paris: Éditions Maisonneuve et Larose, 1956. 2.

3. BARYIN, Gael. Dans les mâchoires du chacal, mes amis touaregs en guerre au Nord-Mali, Le passager clandestin, Paris, 2013.

4. DE WIT, Frederik ; AYIE, [S.]. [Carte de l’Afrique de l’Ouest]. [S. l. : s. n.], 1651. 1 carte. (Cartographie historique indiquant la région au nord de Tombouctou).

5. CHABRE,Théotime. Eclairage. De quoi l’Azawad est-il réellement le nom? disponible en ligne. (http: //territoires. ecoledelapaix. org/reflexions/notes/ azawad-chabre).

6. FRANCE. Gouvernement colonial. Décret de création de l’Organisation Commune des Régions Sahariennes (OCRS) (قرار إنشاء التنظيم المشترك للأقاليم الصحراوية). Paris/Bamako, 10 janv. 1957.

7. MALI: Pacte Nationalconclu entre Le Gouvernement de La République du Mali et les Mouvements et Fronts Unifies de l’Azawad consacrant le Statut Particulier du Nord du Mali, 1992, article I, p. 2. Accord signé entre le Gouvernement du Mali et les Mouvements de l’Azawad. Bamako : Journal Officiel de la République du Mali, 1992.

8. LEADERS, CHEFS ET NOTABLES DE L’AZAWAD (Touaregs, Songhaïs, Arabes et Peuls). Lettre historique adressée au Général de Gaulle (الرسالة التاريخية الموجهة إلى الجنرال ديغول). Tombouctou, 1958. Signée par 350 personnalités, sous la direction du Cheikh Muhammad Mahmoud al-Arawani. Manuscrit historique / Archives d’État.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *