أخبار العالم الأمازيغيحوارات

الكبلي: اختراع “الظهير البربري” كان من أكبر الخرافات السياسية في تاريخ المغرب الحديث

باحث وأكاديمي وأستاذ بجامعة جونز هوبكنز الأمريكية

في هذا الحوار مع جريدة العالم الأمازيغي، يقدم الباحث والأكاديمي إبراهيم الكبلي، الأستاذ بجامعة جونز هوبكنز الأمريكية، قراءة نقدية للرواية السائدة حول ما يُعرف بـ”الظهير البربري”، معتبراً أن هذه التسمية تمثل واحدة من أكبر الخرافات السياسية التي جرى بناؤها وتوظيفها في تاريخ المغرب الحديث. ويتناول الكبلي الخلفيات السياسية والإيديولوجية التي ساهمت في ترسيخ هذه الرواية، وانعكاساتها على الأمازيغية ومكانة الأمازيغ داخل الدولة الوطنية، كما يناقش استمرار ربط الحركة الأمازيغية بالصهيونية، معتبراً أن هذه الاتهامات تعكس إفلاساً فكرياً وعجزاً عن مواجهة المطالب الديمقراطية والحقوقية للحركة الأمازيغية بالحجة والنقاش العلمي.

حاوره/ منتصر إثـري

هل يمكن اعتبار ما يُعرف بـ”الظهير البربري” إحدى الأساطير السياسية التي تحولت مع مرور الزمن إلى حقيقة راسخة في الوعي الجماعي المغربي؟

• هذا سؤال مهم وأساسي في كل المأساة التي عاشها ويعيشها الأمازيغ في وطنهم الأصلي. الظهير، المعروف زوراً بـ”البربري”، غير موجود. هو اختراع من جماعة من الشباب المُسيَّس تحت إمرة الكاتب الدرزي المعروف، الأمير شكيب أرسلان، من أجل تجنيد الأمة المغربية ضد الاستعمار الفرنسي في بلاد الشام والمغرب الكبير. بطبيعة الحال، لا يجب أن نجادل في أن الاستعمار شيء مقيت يجب على الكل محاربته ومقاومة أي شكل من أشكاله، والمناطق التي يسكنها الأمازيغ كانت آخر قلاع مقاومة المستعمر الفرنسي. ففرنسا دخلت إلى فاس والرباط عقدين تقريباً قبل تمكنها من الدخول إلى مناطق ورزازات وصاغرو وغيرها في الجنوب والجنوب الشرقي.

فهذا الظهير أصدرته سلطات الحماية ووقعه السلطان محمد الخامس في 16 ماي 1930، واسمه الحقيقي هو: “الظهير المنظم لسير العدالة في المناطق ذات الأعراف البربرية والتي لا توجد بها محاكم شرعية”. فشتان بين الظهير البربري الذي اختُرع واستُعمل كأداة لإقصاء الأمازيغ وتجريدهم من وطنيتهم، وبين ظهير وافق عليه سلطان البلاد لتنظيم العدالة في المناطق العرفية. أنا لا أبرئ الاستعمار الفرنسي من حيث رغبته في استثمار كل الإمكانيات المتاحة لتثبيت سلطته، ولكنني بالتزامن لا أبرئ من سمى هذا الظهير بربرياً، ولا من روج له، ولا من استفاد منه بعد الاستقلال لتبني سياسة الأرض المحروقة ضد الساكنة الأصلية للمغرب.

لقد مرت مئة سنة عن هذا التشبيك، ولكن مناوشته لحقوق الأمازيغ مازالت فاعلة في النفوس والعقول إلى اليوم لأنه أسست لوعي قومي عربي-إسلامي على حساب الوجود الأغلبي الأمازيغي

فبالرجوع إلى مرحلة الثلاثينيات يتبين لنا الدور المركزي لمجلة “الأمة العربية” التي ربطت بين ثلاثة أشياء أساسية ستصبح إلى حدود اليوم أركان التعامل مع كل ما هو أمازيغي:١) التصدي للمد الصهيوني في فلسطين، ٢) وإعادة تشكيل الوعي بالأندلس كحضارة أنتجها العرب فقط دون غيرهم، ٣) وربط سياسة فرنسا الاستعمارية بنشر المسيحية بين الأمازيغ لإضعاف الإسلام. لقد مرت مئة سنة عن هذا التشبيك، ولكن مناوشته لحقوق الأمازيغ مازالت فاعلة في النفوس والعقول إلى  اليوم لأنه أسست لوعي قومي عربي-إسلامي على حساب الوجود الأغلبي الأمازيغي.

فلا يمكن فصل هذا الظهير عن تضافر جهود مجموعة من المتعلمين من فاس والرباط وسلا، ممن حظوا بالتعليم الفرنسي واستفادوا من فرصه، لحرمان الأمازيغ من فرص الترقي والسلطة. فتلاقي هذه الرغبة الداخلية مع إمكانيات شكيب أرسلان جعل أضفى نجاحا باهرا على خرافة الظهير البربري التي رهنت مستقبل الأمازيغ لمدة طويلة بسبب سياسة استعمارية لم يكن لأمازيغ فيها لا ناقة ولا جمل.

إلى أي حد ساهمت الخطابات السياسية والإيديولوجية في ترسيخ الرواية المتداولة حول “الظهير البربري”، بعيداً عن السياق التاريخي والقانوني الحقيقي للوثيقة؟

• أعيد التأكيد بأنه لا يوجد شيء اسمه بالظهير البربري. كل ما نعرفه عن هذا الظهير وليد خيال من ابتدعوا هذا الاسم وروجوا له. هذه الخرافة اتفقت مع ولادة القومية العرب-إسلامية في المغرب في الفترة بين يونيو ويوليوز سنة 1930 نتيجة عاملين أساسيين: العامل الأول هو تأثير الأمير أرسلان واستغلاله لوضعه الاعتباري وعلاقاته المتشعبة في المشرق وتامازغا، ووضعه لمجلته “الأمة العربية” وقلمه السيال في خدمة قضايا التحرر. فأرسلان لعب دوراً محورياً في نشر القومية العربية وخلق وبث الوعي بأن الأمازيغ جزء من الأمة العربية عن طريق الإسلام، وأن فرنسا، بتعليمها للأمازيغ وتنظيم قوانينهم، إنما تحاول تنصيرهم كما حدث في الأندلس. العامل الثاني هو تخرج أول جيل ممن تعلموا في المدارس الفرنسية وتمكنهم من مخاطبة المستعمر بلغته وبالحيل التي علمهم إياها.

لا يوجد شيء اسمه بالظهير البربري. كل ما نعرفه عن هذا الظهير وليد خيال من ابتدعوا هذا الاسم وروجوا له. هذه الخرافة اتفقت مع ولادة القومية العرب-إسلامية في المغرب في الفترة بين يونيو ويوليوز سنة 1930

فهؤلاء ذهبوا إلى السوربون ومعهد الدراسات السياسية، في حين أن البعض الآخر ذهب إلى لوزان حيث كان يقيم أرسلان. أغلب هؤلاء الشباب ينحدرون من البورجوازية الفاسية وقد كانت لهم أحكام مسبقة عن الأمازيغ، بل إن بعضهم وصفهم في كتاب “عاصفة في المغرب”، الكتاب الجامعي الذي ألفوه جماعة ضد الظهير، بأنهم “بدائيون” يرث الذكور مهم أخواتهم من النساء.

الأهم في هذا كله هو ألا نستهين بأهمية العامل الطبقي في اختلاق هذا الظهير وتوظيفه ضد الأمازيغ. لقد شعر هؤلاء المتعلمون بأن سن فرنسا لقوانين وتنظيمات استعمارية لنقل العلم والتربية إلى الأمازيغ سوف يبث الوعي فيهم ويقويهم. هذا بالنسبة لهؤلاء البورجوازيين كارثة كبرى، وخير معبر عن ذلك الرسالة التي نشرها أبو بكر القادري في مذكراته والتي يقول فيها صراحة بأن أعيان الرباط راسلوا السلطان محمد الخامس للاحتجاج على هذا الظهير الذي يفتح الباب مستقبلا لطردهم من المغرب كما طرد أجدادهم العرب من الأندلس إذا نقوى الأمازيغ واستحموا. لسي من قال هذا الكلام، بل عريضة الرباط التي نقلها أيضا الحاج الحسن بوعياد في كتابه.

هل تعتقدون أن إعادة قراءة ما يسمى بـ”الظهير البربري” في ضوء الأبحاث التاريخية الحديثة يمكن أن تسهم في تصحيح بعض التصورات السائدة حول الأمازيغية وعلاقتها ببناء الدولة الوطنية؟

• هناك مادة علمية غزيرة يجب العودة إليها لاستنطاقها من منظور جديد، وبطرح أسئلة جديدة وجدية لا تعيد إنتاج المنطق الوطني العادي الذي تعلمناه في المدرسة. وجود الكثير من المنشورات المنقرضة في منطقتنا من أهم مميزات العمل في الجامعات الأمريكية. فبحكم عملي هنا أستطيع التوصل بكل المجلات والكتب المنشورة في فترة الظهير وإعادة قراءة هذا التاريخ من زوايا لا تسمح أحادية الرواية الوطنية بمقاربتها. هذه الميزة تسهل البحث العلمي وتوفر الموارد الغزيرة الضرورية للدراسات المقارنة التي تعبد الطريق لفهم مختلف للتاريخ. فأن تقرأ وتكتب عن هذه المرحلة في المغرب مختلف تماماً عن القيام بالعملية نفسها في الولايات المتحدة الأمريكية لأن توفر المادة العملية يسهل طرح الأسئلة الجديدة والخروج بنظريات جديدة عن المحتوى.

يجب أن تُطرح عمن استفاد من اختراع الظهير البربري وكيف استُعمل بطريقة يسمونها هنا بـ”الاستعمار الداخلي”

يجب أن نتفق على أن الاستعمار آفة مدمرة لم تجن الإنسانية من ورائها إلا الدمار والإبادات المستمرة للبشر والحجر. لكن في الوقت نفسه هناك أسئلة يجب أن تُطرح عمن استفاد من اختراع الظهير البربري وكيف استُعمل بطريقة يسمونها هنا بـ”الاستعمار الداخلي”. هذا المفهوم يحيل على توظيف نظام سياسي وطني لأساليب استعمارية في التعامل مع مواطنيه. فمن يرجع إلى الخطاب الذي مكنه الظهير البربري وتبعاته، سيكتشف بأنه فعلاً كان كارثة على الأمازيغ الذين كانوا يشكلون ثمانية ملايين من تسعة ملايين نسمة أي ما يقارب تشكل 90٪ من السكان كانوا أمازيغ قبل مئة سنة. هذه الإحصائية بالمناسبة من مقالة للمير أرسلان. فكيف يمكن أن نتصور أن فرنسا كان باستطاعتها إخراج ثمانية ملايين مغربي من الإسلام؟ سيكون من السذاجة تقبل مثل هذه الخرافات في زمننا هذا. لذلك من الضروري طرح أسئلة جديدة بنفس تاريخي ووطني مغاير لفهم أعمق لهذه المرحلة وانتكاساتها بالنسبة للحاضر والمستقبل الأمازيغيين.

كيف تفسرون استمرار ربط بعض الأصوات للحركة الأمازيغية بالصهيونية، رغم الطابع الديمقراطي والحقوقي لمطالبها، وما أثر هذه الاتهامات على النقاش العمومي حول الأمازيغية في المغرب؟

• كما قلت في جوابي السابق، لقد تصادف صعود القومية العربية مع صعود الصهيونية في الثلاثينيات من القرن الماضي. عندما نقرأ كتابات أرسلان يتبين لنا أن الرجل أسس لمنظومة تداخلت فيها مقاومة الاستعمار مع عمل الجماعات اليهودية على تأسيس الأنوية الأولى لاستعمار فلسطين. فليس مفاجئا أن فكرة مؤامرة الظهير البربري انغرست في عقول المثقفين من تلك الفترة في ارتباط وثيق باحتلال فلسطين. فهذا السياق التاريخي خلق روابط اختزالية بين السياسة البريطانية في الشام وما فُهم على أنه إخراج الأمازيغ من الإسلام من قبل فرنسا في تامازغا.

لا أعرف إن كنت تعلم أم لا، ولكن الجراد في الصحراء يبيض في الرمال ويبقى هذا البيض حيا لسنوات دون أن يقع له أي مكروه. فبمجرد أن تمطر ويصل إليه الماء يفقس ويخرج منه الجراد الكاسح الذي يأكل الأخضر واليابس. فشكيب أرسلان مات منذ عقود، ولكنه ترك بيضاً كثيرا من الأفكار القابلة للحياة كلما اتصل بماء الإيديولوجيا المعادية للأمازيغ. يجب بطبيعة الحال أن نكون منصفين للرجل، فهو ظن أنه يقدم خدمة لاستقلال المغرب، ولكن من ساعده من المغاربة ربما كانت أجندته مختلفة.

أولاً يجب أن نعرف ماذا نعني بالصهيونية. ففي الأدبيات المعروفة عالمياً، تعني الصهيونية الإيمان بأن يكون لليهود وطن قومي نظرا لما تعرضوا له من معادة للسامية في أوروبا. لنتمعن قليلا في هذا التعريف ثم نفكر بعلاقة الأمازيغ به لنخلص إلى أن الأمر يتعلق بدول وليس بأفراد. ربط الأمازيغية بالتصهين ظلم وتضليل كبيران لسببين بسيطين: الأول هو كون الحركة الأمازيغية والأمازيغ أنفسهم يشكلون طيفاً متنوعاً من القناعات والإيديولوجيات لا يمكن توحيدها. فلا يوجد موقف أمازيغي موحد من أي شيء. السب الثاني هو أن الأمازيغ في أغلبهم لا يدعمون أي احتلال، سواء كان في فلسطين أو في غيرها. ويمكن أن أضيف سببا ثالثاً وهو أن الوعي السياسي عند الأمازيغ مرتفع كثيرا مقارنة ببقية المناطق نظرا لانفتاحهم على السياسة منذ نعومة أظافرهم. فأن تكون أمازيغيا يعني أن تكون مسيسا منذ الصغر وهذا ما يشكل مناعة ضد الاستعمار. توجد استثناءات في كل شي ولكن الاستثناء شاذ ولا يقاس عليه.

ربط الأمازيغية بالصهيونية ينم عن كسل وتكلس فكريين ويدل على إفلاس أصحابه وعدم قدرتهم على دحض مطالب الحركة الأمازيغية

في المحصلة، إن ربط الأمازيغية بالصهيونية ينم عن كسل وتكلس فكريين. فهذا الربط يدل على إفلاس أصحابه وعدم قدرتهم على دحض مطالب الحركة الأمازيغية، التي في جوهرها حركة ديمقراطية شاملة. فاتهامها بالارتهان للصهيونية أو الاستعمار فلا ينطلي إلا على جاهل، أما الإنسان الذي ينتمي إلى عصرنا حقاً فلا يمكن أبداً أن يصدق أن حركة كافحت في سبيل إقرار الحقوق الأساسية لكل الشعب المغربي يمكن أن تكون مساندة لأي احتلال. سوف يستمر اجترار هذه الأراجيف طالما ليس هناك تعليم قوي يعلم المنطق والمحاججة وليس فقط الحفظ والتشرب السلبي للمعلومات دون نقدها.

ختاما، وقت الأمازيغ ثمين ولا يجب تضييعه في الإجابة على هذا الإسفاف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى