المنوزي يكتب: يوميات الحبس الاختياري (الحلقة 51)

اختار الأستاذ والمحامي، مصطفى المنوزي وهو من عائلة معروفة بمنطقة تافراوت، عائلة مقاومة للاستعمار الفرنسي ومناضلة في سنوات الجمر والرصاص بالمغرب، أن يكتب يوميات “الحبس الاختياري”.

مؤسس “المنتدي المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف”رئيس “المركز المغربي للديموقراطية والأمن” وأمين عام شبكة “أمان لتأهيل ضحايا التعذيب والدفاع عن حقوق الإنسان”، ورئيس “أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي” وعدد من التنظيمات الحقوقية والجمعوية، اختار أن يتعامل مع حالة “الطوارئ الصحية” التي أعلنت بالمغرب لمواجهة تفشي وباء فيروس “كورونا” المستجد، بتدوين يومياته في “الحجر الصحي” على شكل حلقات متتالية..

(الحلقة 51)

حرر بعض ضحايا الضحايا رسالة إلى والي التاريخ يشكونه جغرافية زمنهم الرديء، بصفته القائد المجهول الهوية والزمان، ليبسطوا بعض ملامح معاناتهم جراء سلوكات من خول لهم، في إطار التدبير المفوض، التحكم في رقابهم وتوجيه طموحهم “الثوري” ضد “الإختيار”، وفق منهجية تكثف خطاب التبخيس والاستئصال والإنهاك والقتل الرمزي المتدرج أو الفوري للمناضلات والمناضلين، أغلبهم من أبناء أو أحفاد حركة المقاومة وجيش التحرير، وقدماء المعتقلين السياسيين و المختطفين المجهولي المصير، رغم أنهم هم من عززوا الصفوف إثر الفراغ الذي تركه من هرول، بسبب الخوف أو تيه البوصلة أو التردد؛ أو العياء السياسي؛ نحو الخلاص أو أرض الله الواسعة.

شباب إقتنعوا بسير سلفهم قبل اختيارهم الفكري؛ ونحن كجيل مخضرم آزرناهم واستقطبونا؛ وصرنا معا وشراكة نشعر بالحاجة إلى الاستجداء بالعالم، العالم الذي يليق بتضحياتنا وتضحيات عائلاتنا، من أجل حماية حقوقنا التاريخية و مكتسباتنا الوطنية في الانتماء والكينونة كأقلية مهددة بالانقراض الحتمي، فلم نعد نبحث عن الامتداد والمشاركة في تحمل الأعباء، بل عد سؤال الشقاء من أجل البقاء أكبر نقطة في جدول أعمالنا، لقد تم الاستغناء والاكتفاء، هكذا حال شعب وطننا وكذا جماهير قواتنا الشعبية، عبر التاريخ، وكأنه قدر لنزلاء الدكاكين أن يمثتلوا لضوابط زعيم القبيلة المظلي، والذي حدد دور مريديه المفترضين والقسريين في لوح توصياته، كما لدى الحوليين، في المبايعة والتجند وأداء الضرائب والشهادة على منجزات القائمين بشؤون «الرعية» على سيرة صاحب الاستقصاء، وكذا مؤرخي الموالاة وحماة الولاء أو البراء.

في الحقيقة لم نكن ضد المبادرات السياسية الفوقية ولكن كنا نتخوف من سقفها غير المؤطر تنظيميا وغير الواضحة المنبع، فهناك قيادة رسمية في المركز، وقيادة ثانية احتمالية في الخارج وأخرى افتراضية في المحيط، يطوقنا الخوف أكثر من نقض كل القنوات الشرعية بسبب تضخم الوساطات المغمورة الكينونة والمشبوهة النوايا؛ يزعم كل “ضابط إيقاع التواصل” أنه مبعوث من أو لجهة معينة، أو وكيل عن قيادة محددة أو رسول من طرف زاوية ما، ولم نعد نقوى على تمثل حقيقة ما يجري من تعدد التوجيهات والتعليمات تقرر المصير وتوجه المسير ، لأن المفترض أن نعيش حالة “المركزية الديموقراطية” ونتمثل مبدأها إذا كنا نزعم أننا من سلالة أول أممية شيوعية بزعامة كارل ورفيقه فريدريك، ومن خلفهم على درب “ديكتاتورية البروليتاريا”.

وعلى غرار أتباعهم، سبحنا مرارا ضد قانون الجدل، في بحر الغموض الفكري وإزدواجية الاختيار، ضدا على أدبيات المحطات العادية و الإستثنائية؛ وكان يبدو أن في الأمر نصب واحتيال أوانتحال صفة قائد، أو أن الأمور أسندت إلى غير أهاليها؛ فقد تولى مسؤولية تدبير شأننا التنظيمي فريق، وتأطير صراعنا مع الخصوم المفترضين أو الأشباح فرقة أخرى، وكأننا شيع وخوارج من درجة عبيد أو أقنان يتلمسون طريقهم نحو وعي شقي، لا علاقة لنا بالفلاحين والعمال ولا بما قرأناه في الكتب الحمراء، مثل قانون التدرج من جنينية الوعي الفتي كحس إقتصادي إلى صحوة الوقع الثقافي المتماه مع الوعي الاجتماعي، عبر تفاعله نحو الوعي السياسي، ليفرض السؤال البيداغوجي نفسه كالآتي: هل نحن في حاجة الى قيادة فكرية تؤطرنا ونشتغل بأفكارها من أجل لملمة جراح مطلب تغيير الواقع الوطني المرير، أم في حاجة الى سلوكات قيادات نشتغل عليها، كموضوع يؤرق مهندسي وخبراء “الكاستينغ”، ويحكم علينا بأن نحاكيها دون مناقشتها ونقدها؟ سؤال مثار في العلاقة مع ما هو مفترض في مشروع منظومتنا التكوينية حيث كنا لا نسمع في تلك الأيام سوى قصصا عن العداء الشخصي والحزازات الذاتية في لباس الخصومة السياسية؛ بدل أن نرى على الواقع خصومات فكرية، علها تصحح المسار وتردنا إلى طريق الصواب نحو دورنا التاريخي كشباب يروم المساهمة في استكمال تفعيل مشروع حركة التحرير الديموقراطية والتقدمية؟؟ إننا والحالة صرنا في مسيس الحاجة إلى نقد إجبارية التجنيد والإنخراط القسري، في ظل ثنائية الخيار الاضطراري بين الذيلية او الإلحاقية؛ كان عدد الضباط أكثر من الجنود في ديناميتنا التي تدعى تعسفا وظلما تنظيما او حزبا، وكنا نقاوم التبعية والانضباط الأعمى، وعيا منا أن الأوامر الرئاسية (الدمقراطية) وحدها التي ينبغي أن تنفذ من طرف المرؤوسين دون رد أو تعقيب، ما عدا اذا تمت مخالفة الضوابط المسلم بها، أما المبادرات الفوقية و المغامرة فتظل محل نقد وتقييم قبل التقويم او الإنضباط والإنخراط فيها.

ومهما كانت الجودة المزعومة للمبادرات ومصداقيتها المفترضة؛ فلا أحد يجبر على القبول بالأمر الواقع، وبالتالي فلا إلزام ولا جزاء ولا مؤاخذة على عدم الإلتزام إلا بناء ووفقا لتعاقد تبادلي مسبق بصدد ذلك، وقد كنا نكرر مع تلك القيادات المفروضة، عبارة “الإختلاف في وضوح أفضل من الإتفاق في غموض” دون جدوى ، ولأن الفضاء النضالي مشترك، وهو أيضا خاضع لقاعدة “لا أحد يجبر على البقاء في الشياع”، فالتشاور مهم وضروري وسابق لأي محاسبة وكذا لأي ترتيب للمسؤولية والجزاء أو العتاب حتى. من هنا وجب التأكيد، من باب تحصيل الحاصل، أن لكل فرد او جماعة او تنظيم أو مؤسسة مقاربتها للأمور، وتصورها للوضع ، وتحليلها الخاص، وفقا للنظرية أو المذهب، وهو ما يعبر عنه بإستقلالية القرار والذمة، ولكل من يعنيهم الأمر أردد “”قد أعفو اذا حاولتم تحريف مصيري، ولكن لن أسمح بأن تحددوا قدري وتتحكموا في قضائي””. وفي هذا الصدد يقول توفلر في كتاب السلطة أن”أهم تحولات السلطة على الاطلاق، ليس تحول السلطة من شخص أو حزب أو مؤسسة أو أمة الى أخرى، بل هو التحول الخفي في العلاقات بين العنف والثروة والمعرفة”.

والسلطة لا تقتصر على الدولة ومؤسساتها الضبطية بل تهم كافة المؤسسات والهيئات السياسية والاجتماعية، فهل فعلا استطاعت المعرفة ان تجد لها موقع قدم ضمن الثالوث المكون للسلطة وفي أي ترتيب يمكن أن نصنف ذاكرتنا الحزبية كوقائع اجتماعية وسياسية قادت الحركة المعرفية والفكرية بدل أن تتمثلها نبراسا لمقاومة إنهيار قيم النضال وتقويض مبررات الجهل والتسلط. فمتى ستبادر الأحزاب السياسية وكذا النقابات والجمعيات المدنية والحقوقية التي ترعرت في مثل هاته البيئات إلى تحيين «عقولها» ومختبراتها، ومتى سنقرر جماعيا التفرغ الكامل للتفاعل مع تاريخ أعطابنا المتوارثة بالتقييم والنقد، وهل حان الوقت لتجاهل وتجاوز قدرية التجنيد ضمن جيش الموالاة القسرية أو التخندق في صفوف كثائب المعارضة الجبرية أو فلول الأغلبية المفطومة شعبويا أو الصامتة دهريا.

ختموا رسالتهم مذكرين ولي أمرهم التاريخي بأنهم يرغبون في جبر ضررهم الترابي والثقافي وصون ذاكرتهم الجماعية، فهم لا يتطلعون سوى إلى صحوة ضمير آمال حاضرهم عوض ثخن جراح أحلام ماضيهم الذي تصالحوا مع ذواتهم وفق ما بلغوه من حقيقة “المنهزمين” أوعدالة المنتصرين إفتراضا، النسبية أو المتوافق حولها حتى .

شاهد أيضاً

كيف أصبح المغربي ـ الهولندي أحمد بوطالب أفضل عمدة في العالم؟

زرت روتردام ثلاث مرات لإلقاء محاضرات لدى جمعيات الجالية المغربية بهولندا، وفي  كل مرة كنت أسمع ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *