كتاب وآراء

الهوية الأمازيغية على قماش الرسم: قراءة في لوحتين للفنانة كريمة بلحاج

في زمن تتسارع فيه وتيرة النسيان، تأتي لوحات الفنانة والأستاذة كريمة بلحاج لتعيد إلى الذاكرة الجماعية صورًا وذكريات ظلت طي الصناديق الخشبية القديمة وحكايات الجدات. عملان تشكيليان يحملان روح الأمازيغ وعبقها، ويستحضران عبر الريشة واللون تراثًا عريقًا يستحق أن يُروى من جديد.

اللوحة الأولى: وجه المرأة الأمازيغية

تتوسط اللوحة الأولى امرأة برأس مرفوع وعينين خضراوين نافذتين، تحيط بها زينة تقليدية غنية بالرموز والدلالات. التاج المزخرف بالأحجار الملونة، الأقراط الفضية الكبيرة المتدلية على جانبي الوجه، والعقد الذهبي الثقيل المحيط بالعنق، كلها عناصر لا تُقرأ كزينة جمالية فحسب، بل كلغة بصرية تحمل معاني الانتماء والمكانة الاجتماعية والحماية الروحية التي عُرفت بها الحلي الأمازيغية عبر مناطق شمال إفريقيا.

الخلفية الرمادية الهادئة التي اختارتها الفنانة ليست خيارًا عشوائيًا؛ فهي تمنح الوجه وزينته حضورًا أقوى، وتجعل من الحمرة والذهب والأبيض في التفاصيل نقاطًا مضيئة تجذب العين مباشرة نحو قصة هذه المرأة الصامتة التي تروي بنظرتها أكثر مما تقوله الكلمات.

اللوحة الثانية: الخيول والفرسان

في تحول أسلوبي واضح نحو الحركة والانطلاق، تقدم اللوحة الثانية ثلاثة خيول وفرسانها في مشهد يوحي بالفروسية والفخر، وهو موضوع ارتبط تاريخيًا بالثقافة الأمازيغية التي أعطت للخيل مكانة رمزية بين الكرامة والشجاعة والانتماء القبلي. الضربات اللونية السريعة والتعبيرية، والألوان البنية الدافئة مقابل الخلفية الوردية الباهتة، تمنح المشهد طاقة وحيوية تختلف عن سكون اللوحة الأولى، لكنها تكمّلها في المعنى: إن كانت الأولى تحتفي بالمرأة وزينتها، فإن الثانية تحتفي بالفارس وحركته.

بين اللوحتين: وحدة الرؤية الفنية

رغم اختلاف الموضوعين، تجمع بين اللوحتين لمسة أسلوبية واحدة: خلفيات باردة بألوان بنفسجية ورمادية، تتقدم عليها عناصر دافئة الألوان بضربات فرشاة حرة وغير مقيدة بالتفاصيل الدقيقة. هذا الأسلوب التعبيري يمنح العملين طابعًا شاعريًا أقرب إلى الذاكرة منه إلى الصورة الفوتوغرافية، وكأن الفنانة لا ترسم مشهدًا بل تستعيد إحساسًا.

خاتمة: الفن كحارس للذاكرة

تذكّرنا أعمال كريمة بلحاج بأن الفن التشكيلي يمكن أن يكون وسيلة فعالة لحفظ التراث ونقله للأجيال القادمة، حين يعجز التوثيق الكتابي وحده عن نقل روح الأشياء. فبين وجه امرأة تزينها حلي الأجداد، وخيول تعدو بفخر، تُبقي الريشة على نبض هوية لا تزال حية، تنتظر من يراها ويرويها من جديد.

*رشيــد لعكيد أنير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى