أخبار عاجلة

بورغواطة بين أكاذيب إمحارصن ومحو الهوية الأمازيغية

بقايا مدينة برغواطة على نهر بهث

شهد المغرب عبر تاريخه الطويل صراعات معرفية وهوياتية عميقة، ارتبطت في جوانب كثيرة منها بصناعة روايات مشوهة حول تجارب سياسية وثقافية أمازيغية أصيلة، من بينها إمارة بورغواطة. وقد أسهمت روايات إيديولوجية، بعضها محلي وبعضها مستورد، في تكوين مخيال عام يُقدّم المغرب كفضاء تابع حضارياً، ويُعظّم المشرق باعتباره مركز التاريخ والدين، في مقابل التقليل من مساهمات الأمازيغ في بناء الدولة والثقافة والدين والتاريخ.

في هذا السياق، يبرز مفهوم “أمحارص” كما يورده اللسان الأمازيغي الزياني، في إشارة إلى الشخص الذي ينتقص من ذاته وينكر محيطه، ويُعلي من شأن الآخر حدّ الذوبان فيه. ويُشكّل هذا النموذج تعبيراً عن حالة استلاب ثقافي وفكري تولّدت عبر عقود من التلقين الإيديولوجي بالمدرسة المغربية، ومن ممارسات بعض المنابر الدعوية، التي ساهمت في نشر تصورات تُقدّم المشرق العربي مرجعية مطلقة، وتختزل المغرب في كونه “أرض عبور”، وساكنته “جماعات جاهلة”، في حين أن هذه الأرض هي التي صنعت تاريخهم واحتضنت وجودهم.

حين نتناول مفهوم أمحارص، نجد أنه يشير إلى كل من يُحقّر قيمته الإنسانية والحضارية، ويزدري منجزات مجتمعه، ويُعلي من إنجازات غيره دون تمحيص. وقد وجد هذا النموذج تربة خصبة في بيئات اجتماعية وسياسية غذّت فكرة التبعية الثقافية عبر المدرسة والمسجد والخطاب العام. ومن هذا المنطلق، يتعامل المستلَب (أمحارص) مع الهوية الأمازيغية بمنطق عدائي، يفتقر إلى أي منهجية علمية أو بحث تاريخي رصين، ويوجه نقده من موقع الإيديولوجيا لا المعرفة. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هو الرصيد البحثي لهؤلاء في دراسة اللغة الأمازيغية وتاريخها وثقافتها؟ وما إسهامهم العلمي أمثال سعيد يقطين وغيرهم؟ وبالتالي، فإن انتظار إمحارصن لكتابة تاريخ بورغواطة، في وقت يجهلون حتى مجالاتها الجغرافية، أمر يفتقد لأي أساس علمي.

كما أن بعض السرديات التي يرددها المستلبون تصور بورغواطة مجرد “حركة ارتداد” أو ظاهرة هامشية، متجاهلة المعطيات التاريخية التي تُظهر أن الإمارة تأسست عقب مقاومة أمازيغية صلبة واجهت الهمجية الأموية، رغم محدودية الإمكانيات. وتكشف الوثائق التاريخية أن الأمويين أنفسهم وثّقوا ممارساتهم الدموية، ليس فقط تجاه الأمازيغ، بل تجاه شعوب أخرى أيضاً. وما يُزعج هؤلاء أكثر أن جميع الإمارات التي انفصلت عن الحكم الأموي كانت أمازيغية المنشأ: إمارة بني مدرار، وإمارة نكور، والإمارة الأوربية وغيرها. ومع ذلك، يتم تمجيد الإمارة الإدريسية وحدها، في تجاهل لباقي التجارب التي شكّلت جذور الدولة المغربية، وهذه مسألة تستحق تحليلاً علمياً معمقاً يتجاوز الانتقائية الإيديولوجية.

حين ننتقل إلى الجغرافية، تأسست دولة بورغواطة في مجال أزاغار، وهو فضاء استراتيجي يجمع بين التلال والسهول والأنهار (مربيع، بهت، سبو). وقد كان هذا المجال عبر العصور مركزاً حضارياً مقدساً للإنسان الأمازيغي، ومطمعاً لمختلف القوى الغازية: الرومان، الأمويون، البرتغاليون، ثم الفرنسيون، الذين اعتبروا المنطقة “مجالاً نافعاً”. ولا يزال هذا المعطى الجغرافي من أكثر العناصر التي تُزعج إمحارصن، لأنه ينسف الادعاء بأن الأمازيغ “عاجزون” عن تأسيس نظم سياسية متماسكة.

أما ما سُمّي بـ”قرآن بورغواطة”، فقد أثار جدلاً كبيراً اعتماداً على روايات خصوم الإمارة. لكن هذا الاستخدام المُغرض تجاهل أن أغلب ما نُقل عن عقيدة بورغواطة جاء من مصادر معادية، وأن التحليل الأكاديمي للسياق الديني يُظهر أن الإمارة لم تخترع ديناً جديداً، وإنما اشتغلت على تمزيغ النص الديني، أي جعله مفهوماً باللسان والثقافة المحلية، مثلما حدث في سياقات أخرى عبر التاريخ الإسلامي. وسيتم تخصيص دراسة علمية لاحقاً لتفنيد الأساطير التي يرددها المستلبون دون وعي.

كما أن بعض الخطابات تروج لأسطورة أن المغاربة يعيشون وفق “قيم أموية”، وهو ادعاء لا يستند إلى أي مرجع علمي، بل إلى وعي مستلب. فالقيم السائدة اليوم في المجتمع—التضامن، التجمع، الحرية الشخصية، احترام الأرض، والعمل الجماعي ونُظم الأعراف—كلها قيم أمازيغية أصيلة ما تزال حية رغم محاولات التذويب. فالهوية تُبنى من الأرض التي وُلد فيها الإنسان، ومن الذاكرة الثقافية الجماعية، لا من أوهام إيديولوجية فُرضت بالقوة منذ ظهير 1930 وما بعده.

إن قراءة تاريخ بورغواطة في ضوء منهج تاريخي علمي تؤكد أن المغرب لم يُبنَ على نموذج واحد، بل على تراكم حضاري متنوع كان للأمازيغ فيه إسهام أساسي في السياسة والدين والثقافة. وإن تفكيك سرديات المستلبين (إمحارصن) ليس عملاً سجالياً، بل ضرورة علمية لإعادة بناء الوعي التاريخي المغربي وتصحيح النظرة إلى تجارب سياسية أمازيغية ظُلمت بفعل قراءة إيديولوجية ضيقة. ورغم تأثر المغرب وتأثيره بالحضارات الأخرى، يبقى الطابع الأمازيغي هو المميز والمكوّن الرئيسي، رغم ظهور المستلبين بهذا الشكل.

 اكدا الحسين

اقرأ أيضا

معجم “أنامك”.. رهان الرقمية لإنقاذ اللغة الأم

في خضم كثرة المعاجم الأمازيغية، سواء الرسمية منها أو. تلك المقامة بمجهودات فردية التي تستحق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *