
وحذّر الراخا من تفاقم الأزمة الأمنية والإنسانية في مالي بسبب سياسات السلطة العسكرية، التي قال إنها تسببت في عمليات تطهير عرقي وانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، إضافة إلى انسحاب باماكو من اتفاق السلم والمصالحة وقطع التعاون مع القوات الدولية. كما انتقد الدور الذي تلعبه الجزائر في المنطقة، مشيرًا إلى تأثير أجهزتها الأمنية على جماعات متطرفة تنشط في الساحل. ودعا الراخا الأمم المتحدة إلى الدفع نحو مفاوضات عاجلة بين السلطات المالية وممثلي الطوارق والمور، واقترح اعتماد نظام فيدرالي يمنح أزواد حكمًا ذاتيًا واسعًا كسبيل لإعادة الاستقرار ومواجهة تمدد الجماعات الإرهابية.
نص الرسالة:
فخامة السيد أنطونيو غوتيريش
الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة
الموضوع: حول الإسهام المحتمل للطوارق في مكافحة الإرهاب في أزواد والساحل
فخامة السيد الأمين العام،
يشرّفنا، في المقام الأول، أن نعبّر لكم عن بالغ تقديرنا للمتابعة الدؤوبة التي تولونها للوضع السائد في غرب إفريقيا، ولا سيما في منطقة الساحل. إن كلمتكم الهامة التي ألقيتموها أمام مجلس الأمن يوم 18 نونبر، والتي خُصّصت لموضوع «تعزيز التعاون الإقليمي في مجال مكافحة الإرهاب في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل»، تعكس التزامًا صادقًا بأمن هذه المنطقة الحيوية واستقرارها.
لقد ذكّرتم، بكل صواب، بخطورة الوضع قائلين: «إن الأحداث الأخيرة في مالي تذكّرنا بقسوة خطورة الوضع. فمنذ شتنبر، يقوم تنظيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بعرقلة إمدادات الوقود على المحاور الطرقية الرئيسية المؤدية إلى باماكو… هذا الوضع يخلق صعوبات هائلة للسكان… الجماعات المسلحة المتمركزة توسّع نطاق نفوذها. عدة دول ساحلية مهددة. نحن نخشى حدوث تأثير الدومينو الكارثي في كامل المنطقة…».
هذه الحقائق، إلى جانب ما يقرب من أربعة ملايين نازح، وإغلاق نحو 15 ألف مدرسة وأكثر من 900 مؤسسة صحية، تبرز حجم الأزمة التي تمرّ بها المنطقة.
إن هذا التطور المأساوي هو، للأسف، نتيجة مباشرة للسياسات التي انتهجتها السلطات العسكرية المالية، والتي ساهمت في عمليات تطهير عرقي استهدفت السكان الطوارق والقبائل أزواد الأخرى. وبغياب أي شرعية ديمقراطية، أدّت سياسة هذه السلطة الانقلابية إلى إضعاف الدولة بشكل خطير، إلى حد تمكّن الإرهابيين التابعين لتنظيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين من الاقتراب من أبواب العاصمة وتهديد سيادة مالي ذاتها.
كما أن طرد العملية الفرنسية “برخان” و “قوة تاكوبا”، وفرض إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما)، إضافة إلى الانسحاب الأحادي من اتفاق السلم والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر والموقّع في 14 ماي 2015، كلها عوامل زادت من هشاشة المشهد الأمني. وأضحت القوات المالية، التي تعتمد الخيار العسكري وحده، مدعومة بمرتزقة مجموعة فاغنر الروسية، مسؤولة عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان: إعدامات خارج القانون، اعتقالات تعسفية، اختفاءات قسرية، عنف جنسي، نهب وتدمير، فضلاً عن موجات نزوح جماعي نحو موريتانيا والمناطق الحدودية مع الجزائر.
وقد سجّل مرصد اليقظة المواطنة للدفاع عن حقوق الإنسان لشعب أزواد، خلال سنة 2024 وحدها، أكثر من ألف عملية إعدام أو محاولة إعدام، وأكثر من 500 حالة اختطاف أو احتجاز تعسفي، إضافة إلى العديد من أعمال التعذيب والنهب. وفي 14 نونبر الماضي، أدت ضربتان بطائرتين مسيّرتين في منطقة تيمبوكتو إلى مقتل 13 مدنياً، بينهم سبعة أطفال.
فخامة السيد الأمين العام،
اسمحوا لي أن أذكّر بأن منظمتنا، التجمع العالمي الأمازيغي، وهي منظمة دولية غير حكومية للدفاع عن حقوق الأمازيغ في العالم، قد نبهت منذ مدة طويلة عدة مؤسسات وشخصيات إلى خطورة الوضع في مالي، من بينها:
– الاتحاد الأوروبي عبر السيد جوزيب بوريل؛
– الاتحاد الإفريقي في عهد رئاسة السيد محمد ولد الشيخ الغزواني؛
– الرؤساء إيمانويل ماكرون وفلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان وسيريل رامافوزا؛
– إضافة إلى وزراء خارجية عدد من دول شمال إفريقيا والساحل، ومنهم مؤخراً وزراء خارجيّة المملكة المغربية والمملكة الإسبانية.
ورغم التحذيرات المتكررة، لم نتلقّ أي رد فعلي جاد من أي من هؤلاء الأطراف. واليوم، تتزايد المخاوف مع اقتراب مالي من خطر السقوط بين أيدي تنظيم القاعدة.
لقد دعوتم، في خطابكم، إلى تعزيز الحوار والتعاون بين الفاعلين الإقليميين، وإلى تنسيق أفضل بين أجهزة الأمن والاستخبارات التابعة لدول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإكواس)، وتحالف دول الساحل، وموريتانيا، والجزائر.
غير أنه يجدر التذكير بأن الجزائر – التي يقدّمها البعض كفاعل محتمل في الاستقرار – تُعتبر، وفق العديد من الدراسات والتحليلات، من بين أبرز مصادر عدم الاستقرار الإقليمي. فقد لعبت أجهزة المخابرات العسكرية الجزائرية دوراً رئيسياً في تكوين وهيكلة التنظيم المعروف سابقاً بـ القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (الذي بات اليوم تنظيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين)، كما تؤكد ذلك أبحاث فرانسوا غيز وسلمى ملّاح. ولا يزال إياد أغ غالي، زعيم التنظيم والمطلوب للعدالة الدولية، أداة في يد السلطات الجزائرية ضمن استراتيجيتها للتأثير في الشأن المالي.
فخامة السيد الأمين العام،
إن السبيل السياسي يجب أن يُمنح الأولوية، إلى جانب عمليات عسكرية محدودة وذات إطار قانوني واضح. وقد سبق لرئيس المفوضية الأوروبية الأسبق ومبعوث الخاص للساحل لمنظمة الأمم المتحدة بين 2012 و2014، السيد رومانو برودي، أن أكّد بوضوح: «من دون اتفاق مع الشمال، لن يكون هناك سلام في مالي أبداً». كما يشكّل الحركة الوطنية لتحرير أزواد، المنضوية اليوم ضمن تنسيقية حركات أزواد (CMA) و الإطار الاستراتيجي الدائم (CSP)، والآن جبهة تحرير أزواد (FLA)، فاعلاً أساسياً لا يمكن تجاوزه في أي حل دائم.
لقد جددتم التأكيد بأن الأمم المتحدة ملتزمة بمواكبة دول المنطقة عبر عمل ممثلكم الخاص، السيد ليوناردو سانتوس سيم او، وكذلك عبر الميثاق العالمي للتنسيق ضد الإرهاب. وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري أن تجتمع بشكل عاجل السلطات العسكرية المالية وممثلو الطوارق والمور ضمن جبهة تحرير أزواد حول طاولة مفاوضات.
ويمكن أن يمثّل نظام فيدرالي قائم على حكم ذاتي واسع لأزواد – على غرار المقترح المغربي لسنة 2007 بشأن الصحراء الغربية، الذي تعزّز مؤخراً بقرار مجلس الأمن رقم 2797 – أرضية مناسبة لقيام جبهة مشتركة بين جبهة تحرير أزواد و الجيش المالي للتصدي بفعالية لتنظيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين. إن على الحكومة الانتقالية أن تدرك أنها اليوم أمام خيار مصيري: منح أزواد حكماً ذاتياً حقيقياً، أو مواجهة خطر كبير بأن تستولي القاعدة على السلطة في مالي.
وتفضلوا، فخامة السيد أنطونيو غوتيريش، بقبول فائق عبارات التقدير والاحترام.
رشيد الراخا
رئيس التجمع العالمي الأمازيغي
Notes :
[1]- https://press.un.org/fr/2025/sgsm22914.doc.htm
[3]- https://shs.cairn.info/au-nom-du-onze-septembre–9782707153296-page-378?lang=fr&tab=premieres-lignes
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر