عام على رحيل صالح الباشا.. حين يتحول الفنان بعد موته إلى غنيمة
رحل المرحوم الرايس صالح الباشا، لكن لم يرحل الطامعون في إرثه الفني. ففي السادس عشر من يوليوز 2026 ، تحل الذكرى الأولى لوفاة أحد أعلام فن الروايس، الذي أفنى عمره وهو يخدم الأغنية الأمازيغية ويحملها إلى الجمهور بصدق الفنان الأصيل. غير أن ما يؤلم اليوم ليس فقط غيابه، بل ما تتعرض له أعماله من استغلال لا أخلاقي ولا فني، وكأن الرجل لم يكن له حق في إرثه، وكأن رحيله منح البعض صكا مفتوحا للتصرف في اسمه وفنه كما يشاؤون.
لقد استغل اسم صالح الباشا، واستغلت ألحانه وأشعاره وحركاته وأسلوبه الفني، بل استغل كل شيء تركه خلفه، حتى أصبح البعض يتسابق إلى اقتسام إرثه وكأنه غنيمة، دون حياء أو احترام لذاكرة فنان كبير. والأكثر إيلاما أن كل ذلك يجري أمام أعين الجميع، دون أن يتحرك أحد لوقف هذا العبث.
أين النقابات الفنية التي تتغنى بالدفاع عن الفنانين؟ وأين الجمعيات والهيئات التي رفعت شعارات حماية التراث وصيانة حقوق المبدعين؟ وأين المعنيون بالقطاع الفني الذين لا يترددون في إصدار البلاغات والبيانات عندما يتعلق الأمر بمصالحهم؟ لماذا يصيبهم الخرس عندما يكون الضحية فنانا امازغيا راحلا لا يستطيع الدفاع عن نفسه؟ أم أن حقوق الفنان تنتهي مع وفاته، ويصبح إرثه الفني مباحا لكل من أراد الاستثمار فيه؟
إن الوفاء الحقيقي للفنان لا يكون بإقامة حفلات التأبين وإلقاء الكلمات الرنانة، بل بحماية أعماله وصون اسمه من كل استغلال. فالراحل صالح الباشا ليس مجرد اسم عابر في سجل الأغنية الأمازيغية، بل هو جزء من الذاكرة الفنية المغربية، وما يتعرض له إرثه اليوم هو إساءة للفنان وللفن وللثقافة الأمازيغية برمتها.
إن الصمت في مثل هذه القضايا ليس حيادا، بل هو شكل من أشكال المشاركة فيها. ومن يلتزم الصمت أمام استغلال أعمال الراحل، فإنه يمنح المستغلين ضوءا أخضر للاستمرار في ممارساتهم. فالفنان حين يرحل، لا تسقط حقوقه الأدبية والأخلاقية، ولا يسقط حقه في الاحترام.
في الذكرى الأولى لرحيل الرايس صالح الباشا، لا نحتاج إلى كلمات الرثاء بقدر ما نحتاج إلى وقفة ضمير. نحتاج إلى أن يطرح السؤال بصوت مرتفع: من يحمي الفنان بعد وفاته؟ ومن يحمي ذاكرته الفنية من النهب والاستغلال؟ وهل أصبح الفنان في بلادنا لا يجد من يدافع عنه إلا وهو على قيد الحياة، فإذا غاب غابت معه كل الأصوات؟
رحم الله الرايس صالح الباشا، أما الذين استغلوا اسمه وفنه وألحانه وشعره وحركاته، فإن التاريخ لا يرحم، وسيظل شاهدا على أن فنانا كبيرا رحل، لكن المؤسف أن الوفاء رحل معه أيضا.





