أخبار عاجلة

مهرجان الرباب بالدشيرة الجهادية.. سيمفونية أمازيغية تجمع بين نبل الماضي وطموح المستقبل.

متابعة زين الدين بواح

شهد المركب الثقافي “محمد بوجناح” بمدينة الدشيرة الجهادية، خلال الفترة الممتدة ما بين 11 و14 ديسمبر 2025، فعاليات الدورة الثانية لمهرجان “الرباب”، التي نظمتها جمعية مجاوي للثقافة والفن بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل -قطاع الثقافة-. وتحولت المدينة على مدار أربعة أيام إلى خلية نحل ثقافية استحضرت عبق التراث الأمازيغي وأصالة الوتر السوسي، حيث جاء هذا الحدث تحت شعار “الرباب السوسي الأمازيغي بين الحضارة والتجديد” ليكرس رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة الاعتبار لآلة الرباب كأيقونة حضارية تتجاوز حدود الموسيقى لتلامس جوهر الهوية المغربية، وسعياً من الجهات المنظمة إلى إبراز القيمة التاريخية والجمالية لهذه الآلة العريقة في الوجدان المغربي.

لقد انصهرت فقرات المهرجان في بوطقة واحدة من التناغم؛ انطلقت عبر سهرات فنية كبرى أثثت منصة المركب الثقافي، وتلاحمت فيها أوتار الرواد مع طموحات الشباب في لوحات موسيقية حية عكست غنى الممارسة الفنية بجهة سوس ماسة. وبالتوازي مع العروض الموسيقية، مد المهرجان جسور النقاش الأكاديمي من خلال مائدة مستديرة جمعت ثلة من الأساتذة والباحثين المتخصصين في الثقافة والموسيقى الأمازيغية، والذين غاصوا في تاريخ هذه الآلة الوترية وسبروا أغوارها، مبرزين دورها الريادي في صون الذاكرة الجماعية ومواجهة تحديات العولمة الثقافية عبر التجديد الذي لا يمس بالأصالة.

وفي سعي حثيث لضمان انتقال هذا المشعل الفني إلى المستقبل، راهنت هذه الدورة على الاستثمار في الرأسمال البشري من خلال برنامج تكويني مكثف استهدف شباب المنطقة، حيث مكنتهم ورشات تعليم العزف من ملامسة أسرار الرباب تحت إشراف أمهر العازفين، مما منح المهرجان بعداً تربوياً يسهم في حماية هذا الموروث من الاندثار. وكان لافتاً حجم الإقبال الجماهيري المنقطع النظير الذي غصت به جنبات المركب الثقافي، حيث توافدت عائلات وشباب من مختلف مناطق الجهة، في مشهد جسد الارتباط الوجداني العميق لساكنة المنطقة بآلة الرباب، التي لا تزال تتربع على عرش الذاكرة السمعية المحلية، محولين السهرات إلى لحظات استثنائية من الاحتفاء الجماعي بالهوية.

وقد حظي المهرجان بأصداء إعلامية واسعة، حيث أجمعت القراءات الصحفية على نجاح جمعية مجاوي للثقافة والفن في كسب رهان التنظيم والمحتوى، والقدرة على إخراج “الرباب” من حيزه التقليدي ووضعه في سياق حداثي يغري الأجيال الجديدة. ومع اختتام هذه النسخة التي أثبتت فيها الدشيرة الجهادية أنها الحاضنة الوفية للفنون الأصيلة، تأكدت مكانة مهرجان الرباب كمحطة سنوية لا غنى عنها لتعميق الوعي بالتراث الوطني والارتقاء بالذوق العام، في مشهد يتداخل فيه نبل الماضي بإبداعات الحاضر وطموحات المستقبل.

اقرأ أيضا

معجم “أنامك”.. رهان الرقمية لإنقاذ اللغة الأم

في خضم كثرة المعاجم الأمازيغية، سواء الرسمية منها أو. تلك المقامة بمجهودات فردية التي تستحق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *