أخبار عاجلة

في ضرورة المرافعة لإدماج الأمازيغية في أقسام دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الجامعات الغربية

إبراهيم القبلي: أستاذ الفكر والأدب المقارنين—الولايات المتحدة

لا مراء في أننا نعيش زمن انتعاش الوعي الأمازيغي محليا وعالميا، رغم شعورنا ببعض الإحباط المشروع نتيجة بطء تنفيذ التزامات الدولة الدستورية والقانونية تجاه الأمازيغية. بغض النظر عن التخوفات التي يثيرها هذا الواقع، فالمرحلة التي نحياها الآن تنبئ بغد أفضل للغة والثقافة الأصليتين لمنطقة تامازغا بعدما مرتا من عقود كانتا فيها مهددتين بالانقراض بسبب الاختيارات الخاطئة للرعيل الأول من مثقفي وسياسيي ما بعد الاستقلال. هؤلاء سقطوا، عن وعي أو بدونه، في فخ الاستعمار الداخلي (internal colonialism) واصطنعوا قضية لم تكن موجودة في الماضي. لقد نُحت مفهوم الاستعمار الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية للدلالة على إعادة إنتاج السياسة الاستعمارية بأدوات محلية لتحقيق غايات الطبقة المُسيطرة وتبريرها بالمصلحة العامة. فالسياسة اللغوية المتبعة بعد الاستقلال في كل بلدان تامازغا ينطبق عليها هذه المفهوم لأنها أدت إلى نتائج كادت أن تخلق شرخا في مجتمعات تعايشت فيها الأمازيغية والعربية لقرون. هذه السياسات الأمازيغوفوبية، التي لم تختلف عن سياسات الاستعمار الاحلالي في مناطق أخرى من العالم، لم تؤثر فقط على طريقة التعامل معها على المستوى الوطني في دول شمال تامازغا بل كان لها أثر كبير أيضا على مكانة اللغة والثقافة الأمازيغيتين في العالم الأكاديمي الغربي الذي، باستثناء المعهد الوطني للغات والثقافات الشرقية بباريس ومركز الدراسات الأمازيغية في نابولي في إيطاليا، تخلى بصفة نهائية تقريبا عن تدريس اللغة الأمازيغية وكل ما يرتبط بها منذ منتصف التسعينات. فقبل إدخالنا الأمازيغية ضمن دروس جامعة “جونز هوبكنز” في خريف ٢٠٢٥، كانت كل الجامعات الأمريكية العريقة قد أوقفت تدريسها للغة والثقافة الأمازيغيتين منذ عقد التسعينات تقريبا. فالإهمال الذي تعرضت له الأمازيغية وتُراثها الحي في موطنهما الأصلي تُرْجِم إلى إهمال آخر على الصعيد الأكاديمي الدولي.

سوف أخصص هذه المقالة لدعوة المجتمع المدني الأمازيغي لانتهاز الفرص التي يوفرها لهم المنطلق الأصلاني(indigenous perspective)  للمرافعة لإدماج الدراسات الأمازيغية في مقررات وبرامج الجامعات الغربية التي تُكوِّن الطلاب المتخصصين في كل ما يتعلق بشؤون تامازغا. لقد قطعت الجامعات في البلدان الأنجلوفونية شوطا كبيرا في الاعتراف بالأصلانيات الوطنية والعالمية، وقد حان الوقت لكي يقوم النشطاء الأمازيغ باستغلال هذا الظرف والإمكانيات التي يتيحها الخطاب الأصلاني (indigenous discourse) لضمان حضور الأمازيغية في أقسام ومراكز دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الجامعات الغربية، وخصوصا في المؤسسات الأمريكية والبريطانية، ليس مِنة على الشعب الأصلاني الأمازيغي، بل كحق لهذا الشعب الأصلي الذي يُدْرَسُ مجتمعه في هذه الأقسام في غياب تام للغته وثقافته. فهذه الخطوة، التي أعتبرها حقا للأمازيغ وواجبا على هذه الأقسام والبرامج، ستصحح وضعا شاذا لا مثيل له في العالم.

الأمازيغ هم الشعب الأصلي لتامازغا وينطبق عليهم التعريف الأممي للشعوب الأصلية ومواثيق الأمم المتحدة ذات الصلة التي لعب النشطاء الأمازيغ أدوارا محورية في النقاشات التي أفضت إلى تبني بعضها، مثل إعلان الأمم المتحدة حول حقوق الشعوب الأصلية (United Nations (Declaration on the Rights of Indigenous Peoples)  الذي تمت المصادقة عليه سنة ٢٠٠٧. فرغم حداثة مصطلح تامازغا الذي يغطي المنطقة الواقعة بين جزر الكناري في المحيط الأطلسي وواحة سيوة في غرب مصر والأراضي الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط وأجزاء كبيرة من إفريقيا جنوب الصحراء، فإن الواقع التاريخي الذي يحيل عليه ليس جديدا. فتامازغا مطابقة لما كان يسمى في الأدبيات العربية الوسيطية ب”بلاد البربر” الذي كان سكانه، بمعزل عن اختلافاتهم العرقية والاثنية، يتكلمون لغات تنتمي إلى نفس اللغة الأمازيغية الكبيرة. فالأدبيات الكلاسيكية، من كتابات ابن خلدون وابن بطوطة والحسن الوزان الفاسي، والحديثة، مثل كتابات علال الفاسي وعباس الجيراري، تُبين أن شعوب تامازغا مرتبطة ببعضها البعض لغويا على مر العصور. هذا الارتباط سيتعرض لقطيعة قوية نتيجة استعمار فرنسا للجزائر ولإفريقيا جنوب الصحراء في القرن التاسع عشر وبعد سيطرتها على الصحراء وفرضها للحماية على المغرب في القرن العشرين. لقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى تجزئة الوطن الأمازيغي الكبير وإلى تغيير الخريطة اللغوية بشكل جذري في كل المنطقة. الآن، وبعد أكثر من مائة عام على هذه الوقائع، يصعب تصديق أن أغلب سكان شمال تامازغا كانوا يتكلمون الأمازيغية فقط كلغة أم. لقد أدى تأسيس الدول الوطنية إلى تعريب الكثير من الأمازيغ نتيجة السياسات اللغوية والدينية التي انتهجتها حكومات ودول ما بعد الاستقلال في المنطقة. وكان من النتائج السلبية للتهميش الممنهج للأمازيغ والأمازيغية ضياع سنوات طويلة من مقدرات شعوب هذه المنطقة في سياسات لغوية أخرت الاقلاع المعرفي والعلمي، ولكنها فشلت فشلا ذريعا في اجتثاث الأمازيغية.

من عواقب هذا الفشل أيضا ظهور الحركة الثقافية الأمازيغية التي شكلت علامة فارقة في تاريخنا المعاصر. فبفضل هذه الحركة العابرة للشتات وللأوطان الأمازيغية تغير الوعي الأمازيغي من حالة حياد سلبي إلى مشاركة إيجابية في إعادة التفكير في هوية المجتمعات التي سعت الحركات الوطنية إلى تعريبها الكامل بعد الاستقلال. لقد ساهم الشباب الأمازيغي المُتعلم من الجزائر والمغرب وليبيا وتونس في خلق دينامية اجتماعية وثقافية وسياسة جديدة أدت إلى تغيير واقع الأمازيغية في بلدانها الأصلية بعدما كاد أن يُجهز عليها لو كُتب النجاح للسياسات الوطنية المناهضة لها. فتدريس الأمازيغية جزئيا وإدماجها في الإعلام والفضاء العام وفي بعض الجامعات كلها نجاحات تُحسب للحركة الأمازيغية رغم كل ما يمكن أن يقال عن بطء تنفيذ القوانين التنظيمية وعدم شموليتها.

إلا أن هذا النجاح الجزئي للحركة الأمازيغية على المستوى الوطني لا أثر له على الفضاء الجامعي الغربي، وخصوصا في الجامعات الأنجلوفونية التي توجد فيها أقسام ومراكز دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فأغلب الجامعات في العالم تُدَرِّسُ منطقة تامازغا من خلال ازدواجية لغوية عربية-فرنكوفونية على حساب اللغة الأصلانية الأمازيغية التي ظلت غائبة من مناهج الجامعات الأمريكية لعقود. فغياب الأمازيغية من المقررات الدراسية وعدم إدراجها ضمن شروط التخصص والتوظيف في الأقسام التي يتم فيها تكوين الطلاب المتخصصين في دراسة تامازغا يُكرس الهيمنة الفرونكعربية ويُجَذِّر منطقا استعماريا يرفضه أغلب الأساتذة والأكاديميين في الجامعات الغربية. فعدم تمكين الطلاب من تعلم اللغة الأصلية لتامازغا يؤدي حتما إلى تهميش الأمازيغ ويُقصي إمكانية اتخاذهم كموضوع للدراسات التاريخية والاجتماعية والثقافية. كما أنه يُعرقل مأمورية من يريد دراسة الأرشيف الأمازيغي بكل أصنافه المكتوبة والسمعية البصرية والطوبونيمية مما يؤدي، كنتيجة نهائية لهذا الوضع، إلى مَرْكَزة المصادر المكتوبة باللغتين العربية والفرنسية في إنتاج المعرفة الأكاديمية عن منطقة لم يعد يُجادل عاقل في أنها أمازيغية تاريخيا. لذلك، فالمتخصصون الذين تُخَرِّجُهم هذه الأقسام في معظمهم يحملون وعيا أكاديميا وعُدة لغوية لا يتناسبان مع واقع الأمازيغ ومجتمعاتهم التي لم تعد كما كانت قبل ثلاثة عقود. لا يمكن، بطبيعة الحال، لوم هؤلاء الخريجين لأنهم كانوا سيختارون تعلم الأمازيغية وآدابها، ولو لفصل واحد على الأقل، لو أتيحت لهم الفرصة للقيام بذلك أو لو اِشْتُرِط عليهم ذلك كتحصيل حاصل للتخصص.

لذلك حان الوقت للقيام بمرافعة من منطلق أصلاني تطلب من الجامعات الغربية الكف عن إقصاء اللغة الأصلانية لتامازغا من مقرراتها في أقسام ومراكز البحث المتخصصة التي تدخل المنطقة ضمن اهتماماتها البحثية والتعليمية. يجب أن تُطالِب هذه المرافعة الجامعات بتفعيل سياسة إيجابية تجاه الأمازيغية كجزء من مسار ديكولونيالي يُصحح خطأها التاريخي المتمثل في إقصاء الأمازيغية وثقافتها من برامجها وإعطاء الأولوية للغة الشعب الأصلي لتامازغا من خلال توفير الإمكانيات البشرية والمادية والمنهجية التي يحتاجها الطلاب والطالبات الذين يرغبون في التخصص في دراسة المنطقة. على الحركة الأمازيغية ألا تستهين بالأثر الإيجابي الذي سيكون لإدراج الجامعات الغربية للأمازيغية كمكون أساسي من التكوين الذي يتلقاه من يريدون التخصص في شؤون تامازغا على انتعاشها وتطورها في بلدانها الأصلية.

تفعيلا لهذه المرافعة، أقترح أن تقوم الجمعيات الأمازيغية بمراسلة أقسام دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المرتبطة بالجامعات الأنجلوفونية مُطالبة ما يلي:

  1. تدريس اللغة والثقافة الأمازيغيتين كمكون وشرط أساسيين للتخصص في المنطقة تفاديا للمنطق الاستعماري الذي يقصي اللغات الأصلانية ويولي الأهمية للغات الوافدة على حسابها. عندما تُدَرِّس هذه الجامعات اللغة الأصلية لتامازغا وتوفرها كاختيار للطلاب الذين يريدون التخصص في المنطقة، فإنها، بمثل هكذا خطوة، ستكون فعلا، وليس استعراضيا فقط، وفية للمقاربات الديكولونيالية.
  2. اشتراط متابعة الطلاب لصفوف في اللغة والأدب والثقافة الأمازيغية ضمن متطلبات التخصص في دراسات شمال أفريقيا. فلا يُعقل تكوين طلاب يدرسون منطقة أمازيغية بالعربية والفرنسية دون أن تُوَفَّر لهم فرص تعلم لغتها الأصلية ودون أن تكون هذه اللغة من شروط التخصص، خصوصا أن هذه اللغة حية ومستعملة بشكل كثيف في الفكر والثقافة والأدب وفي الحياة اليومية للسكان. هناك فرق بين عدم تدريس لغة ميتة وبين إهمال لغة حية.
  3. توظيف أساتذة وأستاذات متخصصين في الدراسات الأمازيغية في الأقسام التي تدرس المنطقة لتطبيع وجودها واستعمالها كلغة للبحث والدراسة. من شأن هذه الخطوة خلق فرص عمل كثيرة للشبان والشابات الأمازيغ المتخصصين في الدراسات الأمازيغية.
  4. تبني المفاهيم التي طورها النشطاء الأمازيغ وتفعليها من منطلق يحترم إرادة السكان الأصليين لتامازغا. فالأمازيغ لم يعودوا، مثلا، يُسمون أنفسهم بالبربر، لذلك وجب التحفظ على هذا المصطلح وعدم استعماله إلا عند وروده في المصادر القديمة. كما أن الأمازيغ يستعملون تامازغا عند الحديث عن مجال أصلاني أوسع من شمال إفريقيا والمغرب الكبير. فالدراسات والدروس الأكاديمية ليست مجالا محايدا لإنتاج العلم فقط، بل هي أيضا مجال لبناء تصورات جديدة حول الإنسان والمجال، ولا يجب الاستهانة بأهمية اللغة وتغيير المصطلحات والمفاهيم وأثرها على تحويل تصور الطلاب للعالم. فعندما نقول تامازغا والشعب الأصلي، فهذا يضع الأمازيغية في إطار مفاهيمي مُغاير تماما لكل التصورات السابقة التي يستبعها استعمال يُطلق عليه الآن شمال إفريقيا أو المغرب الكبير. هكذا ندحل في المنطق الأصلاني الديكولونيالي مما يوسع دائرة حلفاء الأمازيغية في كل أصقاع العالم.
  5. ضرورة رد الاعتبار للمجال الأمازيغي كشرط أساسي لفهم أعمق لتاريخ وواقع منطقة تامازغا من منطلق أصلاني أمازيغي يختلف عما يوجد في المصادر العربية والفرنكوفونية وغيرهما من اللغات ولكنه يتكامل معها في نفس الوقت. فالطريقة التي تُدرّس بها المنطقة اليوم تُمَرْكِزُ العربية والفرنسية على حساب الأمازيغية مما لا يسمح للطلاب بالاهتمام بدراسة أحوال الأمازيغ ولا يشجعهم على استحضار البعد الأمازيغي في أسئلتهم أثناء اشتغالهم على المنطقة في أبحاث الدكتوراة.
  6. ستساعد مَرْكَزةُ (centering) الأصلانية الأمازيغية الطلاب على إغناء تجربة الطلاب البحثية واكتسابهم معرفة أعمق بتاريخ ومجال تامازغا بأسلوب سيساهم في تغيير الأسئلة التي يطرحونها مما يفتح مجالات أرحب لتطوير المعرفة العلمية.
  7. الحرص على قبول طلاب أمازيغ في برامج الدكتوراة للمساهمة في تكوين متخصصين يتقنون اللغة ويساعدون على نشرها.

على الجمعيات الأمازيغية أن تبادر إلى ترجمة هذه المطالب ونقلها إلى المراكز المعنية لحثها على تفعيل خطوات ملموسة لإدماج الأمازيغية وثقافتها في دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجال الأنجلوفوني. لقد أنهت النهضة الأمازيغية صلاحية المقاربة القديمة التي كانت تشترط إما اللغة العربية أو الفرنسية كمدخل للتخصص في دراسات تامازغا. فملاءمة شروط التخصص مع تحولات الواقع الاجتماعي والثقافي والأكاديمي الذي غيره إدماج وإعادة تأهيل الأمازيغية في موطنها الأصلي من مصلحة هذه الجامعات. ستجد الحركة الأمازيغية سندا كبيرا لمطالبها في كثير من الزملاء الذين يؤمنون أشد الايمان بالعدالة اللغوية كممارسة ديكولونيالية ولكن على الأمازيغ أن يأخذوا زمام المبادرة أولا للمطالبة بإدماج لغتهم وثقافتها في برامج الجامعات الأنجلوفونية قبل أن ينبري غيرهم لمناصرتهم بالدفاع عنها مكانهم في مؤسساتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *