صرخة العدد 292 ماي 2025/2975

هذه الشهادات العلمية تضع المغرب في قلب الحضارة الإنسانية، لا على هامشها، وتنسف الروايات المركزية القديمة التي جعلت من الشرق أو الغرب منبعًا حصريًا للإنسان والوعي. فهنا، في أرض المغرب، ظهرت بوادر الفكر والجمال والطب، وتطور الحس الإنساني عبر آلاف السنين، قبل أن يظهر حتى أول بناء حضري في الشرق.
وإذا كان المغرب يتميز بتعدديته الثقافية، فإن الأمازيغية تُعدّ المكوّن الأصلي والأصيل لهويته وثقافته، وهي الجذر الذي نبتت منه باقي الروافد التاريخية والحضارية.
أي نعم قد تعززت الشخصية المغربية بالإسلام، وتعمقت بتأثيرات من العربية، واغتنت بالعناصر العبرية والأندلسية والإفريقية، لكن كل ذلك تم فوق أرضية أمازيغية متجذّرة، لم تُلغها تلك الروافد بل أضافت إليها ألوانًا وتفرعات جديدة.
وهذا الإرث الحضاري الهائل، وإن كان مدعاة للفخر، فهو أيضًا مسؤولية. مسؤولية الدفاع عن هوية وطنية أصيلة ومتجذّرة، لا تقبل الاختزال في مكوّن واحد، ولا تسمح لأيٍّ كان بتقديم الولاء الثقافي والرمزي لغير هذا الوطن. وفي مقدمة هذه الهوية، تقف الأمازيغية باعتبارها الأصل والمرتكز، لا مجرد “رافد”، كما يحاول البعض تصويرها. فالأمازيغية لم تكن ضيفًا على التاريخ المغربي، بل هي تربته التي نبت منها كل شيء.
ورغم وضوح هذه الحقائق، ما زلنا نُفاجأ بين الحين والآخر بخطابات سياسية تبخيسية، تنظر إلى الأمازيغية والمغاربة المتشبثين بها كعبء أو خطر. وآخر هذه الخرجات ما صدر عن رئيس الحكومة الأسبق، عبد الإله بنكيران، الذي وصف، في تصريحات لا تليق بمسؤول دولة، المغاربة بالميكروبات والحمير، عندما سخر بشكل مباشر من مواقف المدافعين عن مصالح وطنهم الاستراتيجية والاقتصادية، متهمًا إياهم بالتنكر لقضايا “أكبر” على حد تعبيره في إشارة الى فلسطين وغزة، وكأن الوطنية الحقيقية لا تكون إلا بترديد خطاب مستورد، لا يعبّر عن نبض الأرض التي نقف عليها.
نحن لسنا بحاجة لتأكيد أننا مع القضايا العادلة، ومع نضال كل الشعوب من أجل حريتها، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني. كما نرفض بكل وضوح أن يتحول هذا التضامن الإنساني إلى ذريعة للتشكيك في وطنية المغاربة الأحرار، أو لمحاولة فرض رؤية موحّدة للوطنية تنفي التعدد وتقصي الاختلاف.
من أراد الدفاع عن غزة فليفعل، ونحن أول الداعمين، لكن من أراد استغلال غزة لتمرير أجندة إيديولوجية أو حزبية تمس كرامة المغرب وتاريخه، فلن يجد منا سوى الرفض والمواجهة. التضامن لا يكون بمحو الذات، ولا بالولاء الرمزي لشرقٍ وغرب لا يروا فيك سوى تابع أو لا شيء.
نحن اليوم في لحظة وطنية فارقة، نحتاج فيها إلى تصحيح البوصلة. كما نحتاج إلى وعيٍ جديد يؤمن أن المغرب ليس صدى لأحد، بل هو صوت مستقل، متجذر في ارضه ونابع من تاريخه، واثق في هويته، منفتح على العالم دون أن يسلّم مفاتيحه لغيره.
ختامًا، المغرب لا يحتاج لمن يُعلمه من يكون، ولا لمن يُملي عليه أولوياته. نحن نكتب تاريخنا بأنفسنا، ونبني مستقبلنا على أرضيتنا، لا بأحلام غيرنا.
المغرب من هنا… لا من هناك.
وقديما قال الحكيم الامازيغي:
ⵉⵍⵙ ⵢⵥⵥⵉⴹⵏ ⵢⵟⵟⴹⵏ ⵜⴰⵙⴷⴷⴰ
Ils yZZiDn yTTD tasdda
باللسان الحلو ترضع اللبؤة
معناه: بالقول الجميل ينال رضى الناس وتقضى الحاجات
صرخة العدد 292 ماي 2025/2975– جريدة العالم الأمازيغي
