إمازالن: الاشتغال الفني باللغة الأمازيغية فعل نضالي واع يعزز رصيدها الرمزي وحضورها الثقافي

في هذا الحوار مع “إمازالن” نفتح نافذة على تجربة فنية تتقاطع فيها الهوية مع الإبداع، والذاكرة مع الراهن، حيث يتحول الفن إلى مساحة للتفكير والتأمل، قبل أن يكون مجرد ممارسة جمالية أو أداء صوتي. فالمجموعة لا تنظر إلى الأغنية باعتبارها منتوجا استهلاكيا عابرا، بل بوصفها خطابا ثقافيا حيا، يطرح الأسئلة ويعيد مساءلة الواقع في أبعاده المختلفة، من غلاء المعيشة إلى إشكالات الجفاف، ومن اختلالات التضامن الاجتماعي إلى التحولات العميقة التي تمس القيم وأنماط العيش.
إمازالن: الاشتغال الفني باللغة الأمازيغية فعل نضالي واع يعزز رصيدها الرمزي وحضورها الثقافي
مرحبا بكم على صفحات جريدة “العالم الأمازيغي”، بداية، كيف ولدت فكرة تأسيس مجموعة “إمازالن”، وما السياق الثقافي الذي خرجت منه؟
تأسست مجموعة “إمازالن” سنة 2005 بمدينة الدشيرة، ضواحي أكادير، في سياق ثقافي خاص اتسم بفراغ فني ملحوظ، وغياب شبه تام للمجموعات الأمازيغية الرائدة التي كانت تؤطر الذوق العام في مراحل سابقة. ولم يكن هذا الوضع مجرد معطى عابر، بل تحول إلى دافع وجودي حفّزنا على إعادة وصل ما انقطع، والاستمرار في حمل مشعل مدرسة “تازنزارت” باعتبارها اختيارا فنيا وجماليا يعكس هوية متجذرة وذاكرة حية.
ومن هذا المنطلق، برزت “إمازالن” كمشروع فني وثقافي يطمح إلى مد جسور التواصل مع جيل جديد من الشباب، الشغوف بإيقاعات هذا اللون الموسيقي وعمقه الروحي ذي الامتداد الصوفي. وقد شكلت الفضاءات الجمعوية والجامعية أولى محطات اشتغالنا، حيث وجد خطابنا الفني تفاعلا لافتا لدى فئة من الشباب كانت تعيش بدورها تحولات متسارعة وتساؤلات عميقة حول الهوية والانتماء.
ماذا يعني اسم “إمازالن” بالنسبة لكم، وما دلالاته الرمزية والفكرية؟
لا يمكن اختزال اسم “إمازالن” في بعده اللغوي الضيق، بل يتجاوز ذلك ليحمل منظومة دلالية مركبة، تنفتح على أبعاد إنسانية واجتماعية عميقة في صلب الثقافة الأمازيغية بسوس. فـ“أمزال” هو ذاك الفاعل الاجتماعي الذي يسند إليه، من طرف مجلس القبيلة المعروف بـ“إنفلاس” أو “أيت ربعين”، تدبير عملية توزيع مياه السقي وفق نظام تقليدي محكم، يعتمد على تقنية “تاناست” كأداة دقيقة لقياس الزمن، قائمة على مبدأ الغمر التدريجي.
ويجسد هذا التصور “أمزال” كرمز للتوازن والإنصاف، وحسن تدبير الموارد المشتركة، بما يعكس قيماً راسخة في التنظيم الجماعي والعدالة الاجتماعية. كما يحيل المصطلح، في امتداداته الدلالية، على معيل الأسرة والساهر على تدبير شؤون الجماعة.
من هذا المنطلق، لم يكن اختيار اسم “إمازالن” اعتباطيا، بل هو تعبير عن وعي جماعي يستبطن قيم المسؤولية، والتنظيم، وروح التضامن، ويجعل من الفعل الفني امتدادا لهذه المنظومة القيمية داخل النسيج الاجتماعي.
ما هي الرسالة الأساسية التي تسعون إلى إيصالها من خلال أعمالكم؟
تنطلق رسالتنا من مبدأ جوهري قوامه احترام ذكاء المتلقي، ورفض كل أشكال الوصاية الفكرية. فنحن لا نضع أنفسنا في موقع الإرشاد أو التلقين، بل نعتبر ذواتنا فاعلين ثقافيين يسعون إلى إنتاج خطاب فني يجمع بين البعد الجمالي والعمق الفكري.
وفي هذا الإطار، نعمل على إعادة مساءلة قضايا طالها النسيان داخل الموروث الأمازيغي، عبر تفكيكها وإعادة تركيبها بلغة معاصرة قادرة على ملامسة انشغالات الحاضر. ويتجلى هذا التوجه في عدد من أعمالنا، من بينها “إگودار” التي ما تزال تحقق حضورا رقميا لافتا، و“أزمز نتيلاس” التي تطرح إشكالية غلاء المعيشة، و“أفلاح” التي تقارب، برؤية فلسفية، علاقة الجفاف بالبنية النفسية للفلاح في ظل تحولات القيم الاجتماعية، فضلاً عن “أورسول إيلا لامان” التي تسلط الضوء على اختلالات الأمن الاجتماعي وتراجع منسوب التضامن.
وبذلك، نسعى إلى جعل العمل الفني فضاء للتفكير المشترك، ومنصة لإثارة الأسئلة بدل تقديم الأجوبة الجاهزة.
إلى أي حد تعتبرون أنفسكم امتدادا للحركة الفنية الأمازيغية، أو تجديدا لها؟
لا يمكن تناول تجربتنا بمعزل عن السياق العام للحركة الثقافية الأمازيغية، التي اضطلعت بدور محوري في ترسيخ الأمازيغية على المستويين الدستوري والثقافي، وأسهمت في إعادة الاعتبار لمكانتها داخل الفضاء العمومي. ومن هذا الوعي، نعتبر أن الاشتغال الفني باللغة الأمازيغية، والمساهمة في إغناء رصيدها الرمزي، يشكلان في حد ذاتهما فعلا نضاليا واعيا ومسؤولا.
وفي هذا الأفق، نرى أنفسنا امتدادا فنيا لهذا المسار التراكمي، مع حرص دائم على تجديد أدوات التعبير وتوسيع مجالات الاشتغال، بما يتيح الدفع بهذه التجربة نحو آفاق أكثر انفتاحا وفاعلية.
كيف توازنون بين الحفاظ على الهوية الأمازيغية والانفتاح على التجارب الفنية العالمية؟
بالنسبة لنا، لا يشكل الانفتاح على التجارب العالمية تناقضا مع التشبث بالهوية، بل على العكس، نعتبره آلية لتوسيع أفقها التداولي. الهوية الأمازيغية تمثل المرجعية الأساسية، غير أننا نشتغل على إدماج عناصر موسيقية معاصرة في إطار يحافظ على جوهرها.
وقد تجسد هذا التوجه عمليا من خلال تجاربنا الفنية بفرنسا، خاصة ضمن مشروع “Sous System” سنة 2021، حيث سعينا إلى خلق تفاعل خلاق بين الإيقاعات الأمازيغية والموسيقى العالمية.
ما الذي يميز أعمال “إمازالن” عن باقي التجارب المشابهة في الساحة؟
إذا كان لا بد من تحديد ما يميز تجربة “إمازالن”، فإنه يتجلى أساسا في الرهان على البعد الإنساني داخل المجموعة، في مقابل النزعة الفردانية التي باتت تطبع عددا من التجارب الفنية المعاصرة. ولم يكن هذا الاختيار اعتباطيا، بل هو ثمرة وعي جماعي يعتبر الانسجام الداخلي شرطا جوهريا لبلورة فعل إبداعي متماسك ومستدام.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لرشيد عباسي، الملقب داخل المجموعة بـ“الساموراي” — وهو لقب أطلقه عليه صديق المجموعة جمال بركاوي — حيث استطاع، بفضل فطنته وحنكته، أن يحافظ على تماسك المجموعة عبر مقاربة إنسانية تقوم على التوازن، وتستلزم أحيانا روح التضحية والتنازل من أجل تحفيز باقي الأعضاء وتعزيز روح الانتماء المشترك.
إلى جانبه، يشتغل المايسترو موحا العدلي، الذي يشكل دعامة فنية أساسية، سواء من خلال إبداعه على آلة البانجو أو عبر اجتهاده المستمر للارتقاء بالأداء الموسيقي، حضورا وعزفا وصوتا فوق الخشبة. كما يحضر رشيد بسام باعتباره الواجهة الفكرية داخل المجموعة، والذي وصفه رشيد عباسي، في لقاء سابق على إذاعة مونتي كارلو الدولية بباريس، بـ“مثقف المجموعة ومفكرها”.
وتكتمل هذه الدينامية الجماعية بحضور عثمان دعموري، الذي يضفي أجواء إنسانية مرِحة داخل المجموعة، إلى جانب كل من مولاي علي طالبي وجمال زكورا، بما راكموه من تجربة وما يتحلون به من روح جماعية وخصال إنسانية. وكما يؤكد عباسي، فإن الركيزة الأساس في هذا المسار تظل البعد الإنساني والأخوي، باعتبار أن الفن متاح للجميع، لكن ما يصنع الفارق الحقيقي هو طبيعة العلاقات التي تجمع بين الأفراد.
أما على المستوى الفني، فتشتغل “إمازالن” على نمط الأغنية الثقافية ذات التيمة العميقة، المستلهمة من روح “تزنزارت”، ولكن برؤية خاصة، سواء من حيث الإيقاع أو البناء اللحني، بما يمنح التجربة فرادتها ويكرس هويتها المتميزة.
كيف تتم عملية الإبداع داخل المجموعة؟ هل هي جماعية أم فردية؟
لم تكن عملية الإبداع داخل “إمازالن” يوما فعلا فرديا معزولا، بل هي سيرورة جماعية تقوم على التكامل وتداخل الأدوار، حيث يشتغل كل عنصر انطلاقا من خصوصيته الإبداعية ضمن رؤية مشتركة. وفي هذا الإطار، يتولى رشيد عباسي، بصفته شاعر المجموعة، مهمة الكتابة والتوزيع، واضعا اللبنات الأولى للنصوص ومحددات الرؤية العامة للعمل.
في المقابل، يضطلع موحا العدلي بدور محوري في التلحين والعزف والتنسيق الموسيقي، بما يمنح الأعمال عمقها الجمالي وهويتها الصوتية. كما يساهم رشيد بسام في هذه الدينامية من خلال اشتغاله على التوزيع والتلحين، وأحياناً الكتابة، وهو ما يعزز الطابع التكاملي للعمل ويغنيه بتعدد المقاربات.
وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى “إمازالن” كورشة فنية مفتوحة، أو مختبر إبداعي تتقاطع داخله مختلف الحساسيات والتجارب، في أفق إنتاج عمل فني متوازن يجمع بين الرؤية الفكرية والبعد الجمالي. ولعل ما يمنح هذه التجربة خصوصيتها هو توفر مختلف عناصر الإبداع داخل هذا “المختبر”، وهو ما يشكل، بالنسبة لنا، دعامة أساسية لضمان الاستمرارية وتطوير المشروع الفني للمجموعة.
ما هي أبرز القضايا التي تعالجونها في أعمالكم (الهوية، اللغة، الهجرة، الذاكرة…)؟
تنصب اشتغالاتنا على قضايا الهوية والذاكرة والتحولات الاجتماعية، غير أننا نحرص على معالجتها ضمن قالب فلسفي مبسط، يراعي طبيعة المتلقي المعاصر الذي لم يعد يتفاعل مع الخطابات المعقدة أو المغلقة.
وفي هذا الإطار، نسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين العمق الفكري وسلاسة التعبير، بما يتيح إيصال الأفكار بطريقة سلسة دون الإخلال بحمولتها الدلالية، وجعل العمل الفني فضاء للتأمل والتفاعل، لا مجرد خطاب نخبوي معزول عن الجمهور.
هل ترون أن الفن الأمازيغي اليوم ينصف إعلاميا وثقافيا؟ ولماذا؟
رغم ما تحقق من تحولات إيجابية، لا يزال الفن الأمازيغي يواجه أشكالا متعددة من التهميش، خاصة على المستوى الإعلامي، حيث يختزل في كثير من الأحيان في بعده الفلكلوري، بما يفرغه من عمقه الإبداعي والفكري.
وفي المقابل، يظل حضوره ضعيفا داخل المنصات الإعلامية الكبرى، في ظل غياب رؤية منصفة تواكب تطوره وتنوع تجاربه، باستثناء بعض المبادرات المحدودة التي تبقى غير كافية لتحقيق الإشعاع المطلوب.
كيف تقيمون تفاعل الجمهور مع إنتاجاتكم داخل المغرب وخارجه؟
يمكن القول إن تفاعل الجمهور مع تجربة “إمازالن” يشكل أحد المؤشرات الأساسية على راهنية هذا المشروع الفني وقدرته على الاستمرار والتجدد. فقد لمسنا، سواء داخل المغرب أو خارجه، تجاوبا ملحوظا مع أعمالنا، وهو ما يعكس وجود قابلية حقيقية لدى المتلقي للتفاعل مع هذا النمط من التعبير الفني المرتبط بالهوية والبعد الإنساني.
وعلى سبيل المثال، يكفي أن نستحضر النجاح الذي عرفه حفلنا بمناسبة رأس السنة الأمازيغية 2974 بفرنسا، والذي احتضنته مؤسسة دار المغرب، حيث لم يقتصر التفاعل على الجمهور الحاضر فحسب، بل امتد ليشمل إدارة المؤسسة، إذ بادر مديرها إلى التنويه بالمشاركة والدعوة إلى إعادة إحياء حفل آخر داخل الفضاء نفسه، غير أن التزاماتنا الفنية حالت دون ذلك في حينه.
إن مثل هذه اللحظات لا تعكس مجرد نجاح فني ظرفي، بل تؤكد أن الفن الأمازيغي، حين يقدم برؤية صادقة ومتماسكة، قادر على تجاوز الحدود الجغرافية وبناء جسور تواصل حقيقية مع جمهور متنوع الثقافات والخلفيات.
ما هي أبرز التحديات التي تواجهكم كفرقة/مجموعة أمازيغية؟
يبقى التحدي الأكبر مرتبطا بضعف الدعم الموجه للإنتاجات الفنية، وهو ما يحد من إمكانية إخراج أعمال بمستوى احترافي يواكب تطلعات الجمهور ويستجيب لمعايير الجودة الفنية المعاصرة.
كيف تتعاملون مع الانتقادات، خاصة تلك المرتبطة بالهوية أو الخطاب الثقافي؟
في ظل التحولات التي أفرزتها وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح النقد جزءا ملازما لأي تجربة فنية. ونحن نتعامل معه باعتباره مؤشرا صحيا وضروريا، خاصة عندما يكون قائما على رؤية بناءة تسهم في تطوير العمل الفني وتجويده.
هل تفكرون في توسيع تجربتكم نحو مجالات أخرى (سينما، مسرح، تعاونات دولية…)؟
نشتغل حاليا على توسيع تجربتنا نحو المجال السمعي البصري، من خلال مشروع يجمع بين الإنتاج الموسيقي والعمل الوثائقي، يهدف إلى توثيق المسار الإبداعي للمجموعة وإبراز أبعاده الإنسانية والفكرية، بما يتيح تقديم رؤية أعمق لتجربتنا الفنية وسياقاتها المختلفة.
ما هي مشاريعكم المستقبلية؟
من بين مشاريعنا القريبة، إصدار ثلاث أغان متبقية من ألبوم “إكودار” بإنتاج ذاتي، وذلك في ظل غياب الدعم، إيمانا منا بضرورة الاستمرار في العمل وعدم الارتهان للظروف، ومواصلة تقديم التجربة الفنية بروح من الالتزام والإصرار.
مساحة حرة..
رغم التحديات، نؤمن أن الاستمرارية خيار لا رجعة فيه. فالجمهور، الذي نعتبره امتدادا طبيعيا لتجربتنا، يستحق فنا صادقا يلامس واقعه اليومي، ويمنحه لحظات من التأمل والتخفيف، ولو جزئيا، من قسوة الحياة.
حاورهم: خيرالدين الجامعي




