الرواية الأمازيغية وإغراء التجريب

بدأ القارئ المتابع للرواية الأمازيغية الفتية يلحظ، منذ الآن، بوادر نزوع إلى التحرر من القواعد والأعراف التي كرّستها الرواية التقليدية.
فمعالجة الزمن السردي وتوزيع وجهات النظر وبناء الحبكة وتشكيل الشخصيات… تكشف عن تأثيرات، وإن كانت بعيدة، ل”الرواية الجديدة” الفرنسية. وهي تأثيرات امتدت، خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، إلى الرواية المغربية المكتوبة باللغة العربية أيضًا.
غير أن الرواية الجديدة، بوصفها حركة أدبية، لم تعمّر طويلًا؛ إذ لم يتجاوز عمرها عقدين إلى ثلاثة عقود من الزمن. ثم انحسر حضورها مع غياب أبرز ممثليها: ألان روب-غرييه وناتالي ساروت وميشيل بوتور وكلود سيمون ومارغريت دوراس. وان كان صحيحا أنها تركت آثارا واضحة في الممارسات الروائية التي أعقبتها من خلال الميل إلى السرد المجزأ والرواة الملتبسين أو غير الموثوق بهم والبنى السردية غير الخطية، فضلًا عن تصور للكتابة الأدبية يمنح القارئ قدرًا أكبر من الحرية في بناء المعنى وتأويل النص…
وعليه، فإني أميل إلى القول: إن الإقبال الذي أبداه القارئ الفرنسي، على وجه الخصوص، على الرواية الأمريكية- اللاتينية، والذي انتقل صداه، بالتبعية، إلى القارئ المغربي، كان، في جانب منه، رد فعل على الإفراط في التجريب الشكلي الذي بلغته الرواية الجديدة. فقد أتاحت الرواية الأمريكية اللاتينية، بما اصطلح على تسميته بـ«الواقعية السحرية»، فضلًا عن الرواية السياسية في أمريكا اللاتينية، وكذلك الرواية التاريخية، بدائل سردية أكثر ألفة لقارئ وجد نفسه إزاء ممارسات كتابية ابتعدت، أكثر مما ينبغي، عن بعض المقومات المألوفة للفن الروائي. ولعل النجاح الكاسح الذي حققته رواية “اسم الوردة” لأومبرتو إيكو (1985) يقدم، في هذا السياق، مثالًا دالًا…
ومن ثم، أخشى أن يتحول إغراء التجريب إلى عامل قد يضر بالرواية الأمازيغية الناشئة. فهذه الرواية تحتاج، في المرحلة الراهنة على الأقل، إلى ترسيخ تقليد روائي باللغة الأمازيغية، وإلى بناء قاعدة أوسع من القراء، قبل أن تنخرط بكثافة في مغامرات شكلية قد تكرّس نوعًا من النخبوية التي تفترضها الممارسات الروائية غير المألوفة.
وليس المقصود، بطبيعة الحال، الدعوة إلى الانغلاق أمام التجريب أو إلى العودة إلى الأشكال الروائية التقليدية، وإنما التنبيه إلى ضرورة مراعاة المرحلة التي تمر بها الرواية الأمازيغية اليوم: مرحلة تأسيس تقليد روائي وتكوين قارئ وترسيخ علاقة متينة بين النص الروائي واللغة التي يكتب بها. فالتجريب، لكي يكون مثمرًا، يحتاج إلى أرضية روائية وثقافية راسخة وإلى قارئ قادر على تلقيه وتأويله.




