أخبار المغرب

بوبكر الخمليشي.. سنتين على رحيل مناضل أممي حمل قضايا الإنسان والأمازيغية

في الذكرى الثانية لرحيل الرفيق بوبكر الخمليشي، أحد مؤسسي جمعية ماسينيسا الثقافية بطنجة

تمر اليوم الذكرىا الثانية لرحيل الرفيق بوبكر الخمليشي، أحد الوجوه النضالية التي تركت بصمتها في المشهد الثقافي والجمعوي بمدينة طنجة، وأحد مؤسسي جمعية ماسينيسا الثقافية بطنجة، التي شكلت، منذ تأسيسها، فضاءً للنقاش الثقافي والفكري والدفاع عن الهوية الأمازيغية وقيم الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية.

سنتين مرت على غيابه الجسدي، لكن حضور الرجل في ذاكرة رفاقه وأصدقائه وكل من عرفه عن قرب ما يزال قوياً. فالأشخاص الذين عاشوا من أجل القضايا التي آمنوا بها لا تنتهي حكاياتهم برحيلهم، وإنما تستمر أفكارهم ومواقفهم ومبادئهم في وجدان الأجيال التي عاصرتهم أو تعرفت على مسارهم.

كان بوبكر الخمليشي، بالنسبة إلى رفاقه، أكثر من مجرد فاعل جمعوي أو مثقف؛ كان مناضلاً أممياً حمل قضايا الإنسان أينما كانت، وانحاز إلى قيم الحرية والكرامة والمساواة ورفض كل أشكال الظلم والاستغلال والتمييز.

من النضال الأممي إلى العمل الثقافي

لم يكن انخراط الراحل في العمل الثقافي والجمعوي منفصلاً عن مساره النضالي والفكري. فقد كان يؤمن بأن الدفاع عن الثقافة والهوية ليس فعلاً فولكلورياً أو احتفالياً، وإنما هو جزء من معركة أوسع من أجل الاعتراف بالإنسان وحقوقه، ومن أجل مجتمع تسوده المساواة والعدالة والحرية.

ومن هذا المنظور، كان حضوره في تجربة جمعية ماسينيسا الثقافية بطنجة تعبيراً عن قناعة بأن العمل الثقافي يمكن أن يكون مجالاً لبناء الوعي، وفتح النقاش العمومي، وتعزيز حضور الأمازيغية في الفضاء الثقافي والاجتماعي.

وقد ساهم، إلى جانب عدد من رفاقه، في وضع اللبنات الأولى للجمعية، التي اختارت منذ بدايتها أن تجعل من الثقافة والنقاش الفكري والعمل الجمعوي أدوات للمساهمة في بناء مجتمع ديمقراطي يحترم تعدده الثقافي والهوياتي.

رجل المبدأ قبل كل شيء

من أبرز ما ميز شخصية بوبكر الخمليشي، كما يتذكره رفاقه، التمسك بالمبدأ. فالمناضل الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الأنشطة التي شارك فيها أو المواقع التي تحملها، وإنما بقدرته على الحفاظ على قناعاته في اللحظات الصعبة، وعلى الدفاع عن أفكاره دون أن يحول الاختلاف إلى خصومة شخصية.

وكان الراحل ينتمي إلى جيل من المناضلين الذين اعتبروا العمل الجمعوي والثقافي مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون حضوراً اجتماعياً، وأن الدفاع عن الحقوق والحريات لا ينبغي أن يرتبط بالمصلحة الشخصية أو الحسابات الظرفية.

لهذا ظل اسمه مرتبطاً، في ذاكرة رفاقه، بصورة المناضل الذي كان يرى في الثقافة وسيلة للتحرر، وفي الحوار وسيلة لبناء الوعي، وفي التضامن الإنساني قيمة تتجاوز الحدود والهويات الضيقة.

الأمازيغية في قلب المشروع الثقافي

إن استحضار بوبكر الخمليشي اليوم، في الذكرى الثالثة لرحيله، هو أيضاً استحضار لمرحلة من مراحل تطور العمل الثقافي الأمازيغي بمدينة طنجة.

فالمدينة، بما تتميز به من تنوع بشري وثقافي، كانت ولا تزال فضاءً مهماً للحركة الثقافية الأمازيغية. وفي هذا السياق جاءت تجربة جمعية ماسينيسا الثقافية لتؤكد أن الدفاع عن الأمازيغية لا يمكن أن يقتصر على المناسبات الرمزية، بل يحتاج إلى عمل ثقافي وفكري مستمر.

وكان الراحل يؤمن بأن الأمازيغية جزء أصيل من هوية المغرب، وأن النهوض بها يمر عبر الثقافة والتعليم والإبداع والنقاش الفكري والعمل المدني، بعيداً عن الاختزال والتوظيف الظرفي.

ولذلك فإن الوفاء لذكراه لا يكون فقط بإحياء ذكرى رحيله كل سنة، وإنما أيضاً بمواصلة العمل من أجل القيم التي آمن بها، وفي مقدمتها الحرية والكرامة والمساواة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، إلى جانب الدفاع عن الأمازيغية باعتبارها مكوناً أساسياً من مكونات الهوية المغربية.

سنتين على الغياب.. والذاكرة لا تنسى

في الذكرى الثانية لرحيله، تستعيد جمعية ماسينيسا الثقافية بطنجة ورفاق الراحل وأصدقاؤه صور رجل ظل حاضراً في محطات مختلفة من العمل الثقافي والنضالي.

قد يغيب الإنسان عن المشهد، لكن الذاكرة الجماعية تحتفظ بأصوات المناضلين ومواقفهم، خصوصاً عندما يكون حضورهم مرتبطاً بقضايا تتجاوز الأشخاص.

إن بوبكر الخمليشي ينتمي إلى أولئك الذين تركوا وراءهم أثراً نضالياً وفكرياً وإنسانياً، وأصبح رحيلهم مناسبة لإعادة طرح السؤال حول معنى الالتزام، وحول مسؤولية الأجيال الجديدة في مواصلة ما بدأه السابقون.

فالأجيال لا ترث من المناضلين أسماءهم فقط، وإنما ترث منهم أيضاً الأسئلة التي طرحوها، والقيم التي دافعوا عنها، والأحلام التي لم يتوقفوا عن النضال من أجل تحقيقها.

الوفاء الحقيقي هو مواصلة الطريق

بعد سنتين من رحيله، يبقى الوفاء للرفيق بوبكر الخمليشي مرتبطاً بمدى قدرة رفاقه على الحفاظ على الروح التي تأسست بها جمعية ماسينيسا الثقافية، وعلى جعل العمل الثقافي والجمعوي فضاءً للنقاش الحر، والتعدد، والدفاع عن الحقوق والحريات.

إن تكريم الراحل لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد طقس سنوي، بل إلى مناسبة لتجديد الالتزام بالقيم التي حملها في حياته.

وفي زمن تتعدد فيه التحديات أمام الحركة الثقافية الأمازيغية والعمل المدني، يصبح استحضار مسارات المناضلين الراحلين أكثر من واجب للذاكرة؛ إنه دعوة إلى النقد والمراجعة وتجديد المشروع الثقافي والنضالي بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها المجتمع.

رحم الله الرفيق بوبكر الخمليشي، أحد مؤسسي جمعية ماسينيسا الثقافية بطنجة، والمناضل الأممي الذي ظل وفياً لقيم الإنسان والحرية والعدالة.

سنتين على الرحيل، لكن الذاكرة باقية، والأثر مستمر، والطريق الذي آمن به الراحل ما زال يحتاج إلى من يواصل السير فيه.

الوفاء للمناضلين ليس في البكاء على رحيلهم، وإنما في الدفاع عن القيم التي عاشوا من أجلها.

طنجة 19/09/2028
محي الدين العيادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى