تدريس اللغة الأمازيغية.. حصيلة التعميم وإكراهات التنزيل
بقلم: عبد العزيز التوزاني
رئيس جمعية مدرسي اللغة الأمازيغية بجهة طنجة تطوان الحسيمة
بعد مرور ربع قرن على خطاب أجدير، الذي شكل محطة مؤسسة في مسار النهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين، يبدو من الضروري اليوم أن نطرح سؤالا أساسيا مفاده أين وصل مشروع تدريس اللغة الأمازيغية في المدرسة المغربية؟ وما الذي تحقق منذ إقرارها لغة رسمية؟ وما الذي يعيق تحقيق تعميمها أفقيا و عموديا؟
لقد انتقلت الأمازيغية، خلال العقود الأخيرة، من مرحلة المطالبة بإدماجها في المنظومة التربوية إلى مرحلة أصبحت فيها لغة رسمية للدولة، تستند إلى مرجعيات دستورية وتشريعية وتنظيمية واضحة، وفي مقدمتها الفصل الخامس من الدستور، والقانون التنظيمي رقم 26.16، والقانون الإطار رقم 51.17، إلى جانب المناهج الدراسية والمذكرات الوزارية والموارد التعليمية والرقمية.
لكن السؤال اليوم لم يعد يتعلق فقط بموقع الأمازيغية في النصوص، وإنما بمدى تحويل هذا الاعتراف إلى ممارسة فعلية داخل المدرسة والقسم.
مكتسبات مهمة، لكن الطريق ما يزال طويلا.
على مستوى الموارد البشرية، بلغ عدد مدرسي اللغة الأمازيغية المتخصصين وطنيا حوالي 4180 أستاذا وأستاذة، ويكشف تطور عدد المناصب المخصصة للمادة عن ارتفاع تدريجي، من 80 منصبا سنة 2013 إلى 1000 منصب سنة 2026، وهو ما يعكس تنامي الاهتمام المؤسساتي بتوفير الأطر المتخصصة.
كما شهد مجال التفتيش تطورا مهما، إذ أضيف لأول مرة تخصص اللغة الأمازيغية إلى مسلك تكوين المفتشين بالرباط سنة 2023، وتخرج سنة 2025 اثنا عشر مفتشا متخصصا كأول فوج، فيما يوجد حاليا فوج آخر من المفتشين قيد التكوين سيتخرجون الموسم المقبل 2026/2027.
وفي مجال التكوين، ارتفع عدد الأساتذة المكونين في المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين من ستة أساتذة سنة 2013 إلى 34 أستاذا مكونا خلال الموسم الدراسي 2026-2025 فيما سيلتحق الموسم المقبل 30 أستاذا مكونا بمباراة خاصة بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين كي يصبح العدد الإجمالي للأساتذة المكونين تخصص اللغة الامازيغية 64 أستاذا على مستوى كل المراكز الجهوية الرئيسية والفروع منها.
كما توسع تدريس تخصص اللغة الأمازيغية بالمراكز الجهوية من ثلاثة مراكز سنة 2013 إلى 17 مركزا سنة 2026، يتعلق الأمر بكل من (أكادير- مراكش- مكناس- الناضور- طنجة – الحسيمة – الدار البيضاء – تازة – صفرو – بنسليمان – الجديدة – بني ملال – الراشيدية – تيزنيت – الخميسات – كلميم – الداخلة)
وتؤكد هذه المؤشرات أن ورش تدريس الأمازيغية لم يعد في مرحلة التأسيس الأولى، وإنما راكم خلال السنوات الماضية مجموعة من المكتسبات المهمة، غير أن هذه المكتسبات المؤسساتية لا تعني بالضرورة تحقق التعميم الفعلي.
جهة طنجة تطوان الحسيمة نموذجا
تكشف المعطيات الميدانية بجهة طنجة تطوان الحسيمة عن استمرار تفاوتات واضحة بين المديريات الإقليمية، إذ لا تتجاوز نسبة تعميم تدريس اللغة الأمازيغية بالجهة، وفق المعطيات التي جمعتها جمعية مدرسي اللغة الأمازيغية بجهة طنجة تطوان الحسيمة سنة 2025 نسبة %26.80 .
وتطرح هذه النسبة أكثر من سؤال حول مدى قدرة الموارد البشرية الحالية على الاستجابة للطلب المتزايد، خاصة أن عدد المدرسين المتخصصين الذي يوظف كل سنة لا يزال بعيدا عن المستوى الذي يسمح بتغطية جميع المؤسسات التعليمية.
فإذا كان عدد تلاميذ التعليم الابتدائي بالمغرب يقارب أربعة ملايين متعلم، فإن 4180 أستاذا متخصصا لا يمكنهم، في ظل الصيغة الحالية للتدريس والتكليف، ضمان تعميم فعلي للمادة. والأمر نفسه ينطبق على جهاز التفتيش والتكوين، فوجود 64 أستاذا مكونا موزعين على 17 مركزا جهويا يظل رقما محدودا بالنظر إلى حاجيات التكوين والتأطير على المستوى الوطني، نفس الشيئ ينطبق على التفتيش ف 24 مفتشا غير قادرين على التكوين والتأطير والتتبع لأساتذة موزعين على 84 مديرية إقليمية.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في مسار تدريس الأمازيغية، إذ نجد تقدما واضحا في بناء الإطار المؤسساتي، لكن وتيرة التعميم الميداني لا تزال أبطأ من مستوى الطموح الذي تفرضه رسمية اللغة الأمازيغية.
من الاعتراف القانوني إلى الإنصاف اللغوي
إن الإشكال اليوم لم يعد مرتبطا بغياب المرجعيات القانونية والتنظيمية، وإنما بمدى تنفيذها وتتبعها وتقييم أثرها داخل المؤسسات التعليمية.
فالغاية من تعميم تدريس الأمازيغية ليست فقط رفع عدد المؤسسات أو الأقسام المستفيدة، وإنما ضمان حق كل متعلم في تعلم اللغة الأمازيغية، أينما كان، وفي أي مؤسسة يدرس، مع ضمان الاستمرارية في تعلمها عبر مختلف المستويات والأسلاك التعليمية، وفي أي نوع من المدارس كان سواء تعليما عموميا او خصوصيا.
ومن ثم، فإن نجاح هذا الورش الوطني لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المذكرات والمناصب والمراكز المحدثة، وإنما بما يصل فعليا إلى المتعلم داخل القسم، وبما يتيحه من تعلم لغوي ذي جودة، وهذا يقتضي تجاوز منطق التدبير السنوي والانتقال إلى تخطيط واضح متعدد السنوات، بأهداف رقمية ومؤشرات قابلة للقياس.
سبعة أوراش لتسريع التعميم
الورش الأول، تسريع وتيرة التعميم:
ما نحتاج إليه هو تسريع وتيرة التعميم من خلال وضع خطط وطنية وجهوية سنوية تحدد عدد المؤسسات المستهدفة، مع إعطاء الأولوية للمديريات التي تسجل نسبا منخفضة.
الورش الثاني، تعزيز الموارد البشرية:
سواء تعلق الأمر بالمدرسين أو المفتشين أو الأساتذة المكونين، بما يتناسب مع حجم الحاجيات الفعلية.
الورش الثالث، توسيع مجال تدريس الأمازيغية:
ليشمل التعليم الأولي والثانوي الإعدادي والتأهيلي، مع تعزيز حضورها في التعليم العالي والتكوين المهني والتعليم العتيق ومدارس البعثات الأجنبية.
الورش الرابع، ضمان الإنصاف:
ضمان العدالة بين التعليمين العمومي والخصوصي، من خلال تفعيل المقتضيات المنظمة لتدريس الأمازيغية وتتبع مدى احترام المؤسسات لها.
الورش الخامس، الارتقاء بجودة التعلم:
عبر توفير الكتب والموارد الديداكتيكية، وتطوير الموارد الرقمية، وتحسين الزمن المدرسي بما يجعله منصفا مع اللغات المدرسة الأخرى، وتقليص عدد الأفواج التي تسند إلى الأستاذ المتخصص بما يسمح له بالقيام بمهامه في ظروف تربوية ملائمة.
الورش السادس، التكوين والتأطير:
الإستثمار في التكاوين سواء من خلال التكوين الأساسي أو المستمر، وإشراك الجامعات والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية والأطر المتخصصة في تطوير الممارسات التعليمية والديداكتيكية.
الورش السابع، التتبع والتقييم:
من خلال اعتماد مؤشرات سنوية دقيقة تقيس نسبة التعميم، وعدد المؤسسات والمتعلمين المستفيدين، وعدد المدرسين، ومعدل التغطية لكل أستاذ، ونسبة الاستفادة من التكوين المستمر، مع إشراك الفاعلين المتخصصين والجمعيات المهنية في عملية التتبع والتقييم.
التحدي الحقيقي هو التنزيل
لا شك أن الدولة قطعت أشواطا مهمة في مسار الاعتراف بالأمازيغية وإدماجها في المنظومة التربوية، كما أن المجهودات المبذولة من طرف مختلف المتدخلين، ومن ضمنهم الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، أسهمت في تحقيق تراكم لا يمكن إنكاره.
غير أن المعطيات الميدانية تؤكد أن الانتقال من الاعتراف إلى التعميم لم يكتمل بعد.
فبعد 25 عاما من خطاب أجديرو 23 عاما من الشروع في تدريس الامازيغية، أصبح المطلوب اليوم ليس إنتاج مزيد من النصوص فقط، وإنما ضمان تنفيذها الفعلي، وربط الأهداف المعلنة بمؤشرات واضحة، ومساءلة البرامج عن نتائجها الميدانية.
إن تدريس الأمازيغية لم يعد مجرد ورش تربوي محدود، بل أصبح رهانا وطنيا ومجتمعيا وحضاريا، وحقا لغويا وثقافيا للمتعلمين، ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إرادة مؤسساتية أقوى، وموارد بشرية كافية، وتخطيط أكثر دقة، وتتبع أكثر صرامة، حتى يصبح الاعتراف الدستوري باللغة الأمازيغية واقعا ملموسا داخل كل مدرسة وقسم.
فالمعيار الحقيقي لنجاح ورش الأمازيغية ليس ما تقوله النصوص، وإنما ما يتعلمه الطفل فعليا داخل المدرسة.





