الأستاذ الباحث حماني أقفلي، في حوار مع “العالم الأمازيغي”

الأستاذ الباحث حماني أقفلي
الأستاذ الباحث حماني أقفلي

جميع أنواع السلط تحتاج إلى فعل ثقافي يبررها ويعززها ويضفي عليها طابع المشروعية

وسياسة الدولة المغربية، في الحقلين اللغوي والثقافي، تعود إلى تيارين فكريين يختلفان من حيث مرجعياتهما، ولكنهما يلتقيان في نبذهما للتعدد الثقافي واللغوي

تطرح علاقة اللغة والثقافة بالسلطة العديد من الإشكالات، بشكل تحول فيه مجهول معادلتهما إلى رهان سياسي بالدرجة الأولى. فماهي أنواع السلط التي يمكن للغة والثقافة أن تكون رهانا لها؟ و كيف يمكن قراءة الفلسفة التي تقوم عليها  سياسة الدولة المغربية  في الحقلين اللغوي والثقافي؟ وهل يمكن اعتبار المرحلة الراهنة  قد قطعت مع السياسة الإستئصالية الممارسة في حق الأمازيغية أم أنها مجرد مرحلة جديدة من «السياسة البربرية»؟ وأي وضع سيكون للغة والثقافة الأمازيغية في «المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية» المنصوص عليه في دستور 2011 ؟ وما مصير المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ؟ وهل اللغة العربية تحتاج إلى قانون لحمايتها؟  هذه الأسئلة وغيرها، يجيب عليها الأستاذ الباحث حماني أقفلي في الإستجواب التالي

تطرح علاقة اللغة والثقافة بالسلطة، في مختلف دول العالم، العديد من الإشكالات، بشكل تحول فيه مجهول معادلتهما إلى رهان سياسي بالدرجة الأولى. في نظركم، ماهي أنواع السلط التي يمكن للغة والثقافة أن تكون رهانا لها؟

لعل ابن خلدون هو أول من أبرز بوضوح علاقة اللغة والثقافة بالسلطة، وذلك في معرض حديثه عن التبعية النفسية والهوياتية التي تنشأ عن فعلي الغلبة والسيطرة. فمن بين ما جاء في مقدمته  أن «المغلوب مولع أبدا بالافتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده…» وأن  «النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه». ويفسر ابن خلدون هذا الانقياد بآلية  نفسية  دفاعية لاشعورية، تساعد على تبريره  وتحمله، والعيش به ومعه،  فيغالط المغلوب نفسه بالاعتقاد بأن «انقياده ليس لغلب طبيعي وإنما هو لكمال الغالب«.

لهذا كانت السلطة السياسية والاقتصادية وجميع أنواع السلط الأخرى تحتاج دائما إلى  فعل ثقافي يبررها ويعززها ويضفي عليها طابع المشروعية. فلا يمكن  للسيطرة أن تستمر إلا إذا اقترنت بهيمنة فكرية وثقافية ولغوية.

ولهذا  السبب ،كان أول ما  يلجأ إليه المستعمر (بكسر الميم الثانية) بعد إحكام سيطرته العسكرية على المستعمر(بفتح الميم الثانية)، هو استهداف  لغته وثقافته وهويته، والعمل على تبخسيها وتهميشها، واتخاذ جميع التدابير  الإدارية والتربوية والقانونية من أجل استئصالها، وإحلال ثقافته ولغته محلها. فالغالب  لا يطمئن على دوام غلبته وسيطرته إلا إذا تأكد من مسخ المغلوب عليه ثقافيا ولغويا وحضاريا.  ويتم ذلك المسخ، بطبيعة الحال  تحت غطاء مبدأ إنساني أو أخلاقي أو حضاري أو  ديني.

وما يمارسه المستعمر (بكسر الميم الثانية) على المستعمر (بفتح الميم الثانية) هو نفسه ما تمارسه الطبقة السائدة على الطبقات المسودة داخل المجتمع الواحد، لاسيما إذا كانت الهيمنة السياسية والاقتصادية تقترن فيه بهيمنة عرقية أو إثنية أو لغوية أو طائفية. فتلجأ الطبقة السائدة إلى فرض ثقافتها وتصوراتها وقيمها وفنونها على باقي فئات المجتمع كوسيلة لتركيز نفوذها وتوطيد مواقعها الاجتماعية  والاقتصادية والسياسية، واختزال ثقافة تلك الفئات (الثقافة الشعبية على العموم )  في فلكلور يتم توظيفه  فيما يخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية.  من الخطأ، إذن، النظر في المسألة الثقافية  في معزل عن السياق الاجتماعي والاقتصادي التي تندرج فيه ، وما يرتبط بذاك السياق من رهانات السلطة والنفوذ. إن الصراع اللغوي والثقافي بعد أساسي من أبعاد الصراع من أجل السلطان.  فلا غرابة إذن في  أن يتصدر «الصراع من أجل الاعتراف «، بتعبير الفيلسوف الألماني أكسيل هونيث(Axel  Honneth  )، أهم  الحركات الاجتماعية  في وقتنا الحالي  .

كيف يمكن قراءة الفلسفة التي تقوم عليها  سياسة الدولة المغربية  في الحقلين اللغوي والثقافي؟

 يمكن الرجوع بالأسس الفلسفية لسياسة الدولة المغربية، في الحقلين اللغوي والثقافي منذ الاستقلال إلى حدود نهاية القرن 20 ، إلى تيارين فكريين يختلفان من حيث طبيعتهما،  وتوجهاتها، ومرجعياتهما، ولكنهما  يلتقيان – وهذا من سوء حظ اللغة الأمازيغية – في نبذهما للتعدد الثقافي واللغوي.

التيار الأول هو الفلسفة  اليعقوبية الفرنسية التي ورثتها الدولة المغربية  الحديثة عن المستعمر الفرنسي. ومعلوم أن هذه الفلسفة هي إحدى فلسفات الدولة القومية الأكثر  تطرفا.  فهي وحدوية وتمركزية على المستويين الإداري والسياسي،  وكونية على المستوى الثقافي.  فالفكر الفرنسي (فكر الأنوار)، حسب هذه الفلسفة، فكر كوني يمثل أرقى ما وصلت إليه البشرية، كما أن النموذج الحضاري الغربي هو النموذج المثالي الذي ينبغي أن يسود كافة أرجاء المعمور . وظيفة الدولة القومية، حسب هذه الفلسفة، هي نشر هذا النموذج على الصعيد العالمي (وتحضير الشعوب البدائية والمتخلفة) عن طريق الحملات الاستعمارية، والمحافظة داخليا على وحدة الأمة عبر فرض لغة واحدة، وثقافة واحدة ونموذج اجتماعي واحد، والعمل، بالتالي، على استئصال كل اللغات والثقافات المحلية (الألزاسية، والكورسيكية، والبروطونية، إلخ)  التي من شأنها أن تنافس اللغة والثقافة الفرنسيتين. وترى هذه الفلسفة أن الوحدة اللغوية والثقافية هي شرط الوحدة السياسية ، وأن كل «بلقنة لغوية» من شأنها أن تؤدي إلى بلقنة سياسية… وهذه أطروحة مغلوطة طبعا، تفندها الحروب الأهلية الطاحنة،  الطائفية والمذهبية، التي تعرفها العديد من البلدان الموحدة لغويا وحضاريا، كما ينفدها واقع  الاستقرار الذي يسود بلدانا أخرى متعددة الأعراق واللغات والثقافات.

التيار الفكري الثاني الذي أثر بدوره بشكل ملحوظ على السياسة اللغوية والثقافية المغربية، هو تيار القومية العربية الذي كانت تسعى من خلاله بعض الزعامات المشرقية مثل الحركة الناصرية، والتيار البعثي  في سوريا والعراق، إلى بسط نفوذها على كل المنطقة الممتدة من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي تحت راية دولة واحدة ولغة واحدة… كان ذلك المشروع (الذي يروم في الواقع إلى بعث الحكم الأموي والعباسي، واستعادة  أيام مجد الدولة العربية والعرب) يستلزم تعريب كل الشعوب التي تقطن تلك المناطق، ومحو هوياتها وخصوصياتها، واستئصال لغاتها وثقافاتها الأصلية. وقد وجد بعض أفراد النخبة الحضرية المغربية خلال الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، ضالتهم في هذا التيار، فوظفوه خير توظيف من أجل تعزيز موقعهم التفاوضي إزاء المستعمر حليفهم لما جاء وقت الاستقلال من جهة ، ومن أجل الاستقواء بعرب المشرق على باقي فئات الشعب المغربي من جهة ثانية. ولعل هذا الولاء المزدوج للمستعمر ولغته وثقافته اليعقوبية من جهة ، وللزعامات العربية المشرقية من جهة أخرى،  هو ما يفسر المفارقات التي طبعت سياستها اللغوية والثقافية لما وصلت إلى سدة الحكم في عهد الاستقلال  واحتكرت مراكز القرار السياسي في الشأنين الثقافي واللغوي. فهي تدافع باستماتة على الثقافة واللغة العربيتين، ولا تدخر جهدا من أجل تعريب أبناء الشعب المغربي، وترسل، في الوقت نفسه، أبناءها إلى المدارس والمعاهد الفرنسية والأجنبية، وتجعل من التمكن من اللغة الفرنسية (والأنجليزية في الآونة الأخيرة) المعيار البارز لولوج المدارس والمعاهد العليا، وتقلد المناصب الحساسة في دواليب الإدارة والسياسة والاقتصاد.

أما اللغة والثقافة الأمازيغيتين اللتان هزمهما المستعمر الفرنسي شر هزيمة، فلا مكانة لهما في إطار هذه المنظومة الفكرية، فلم يكن عليهما  إلا مغالطة نفسيهما، وكبت دونيتهما، والإقرار بتفوق غيرهما، حتى يتوهم الجميع أنهما  لا تخضعان لغلب طبيعي، وإنما لكمال في اللغتين والثقافتين الغالبتين. لذلك كانت وطأة بعض الأمازيغ على الأمازيغية أشد من وطأة غيرهم عليها.   

ظلت اللغة والثقافة الأمازيغيتين من الطابوهات السياسية والإيديولوجية، منذ الحكومة الأولى لعهد الإستقلال، إلى أن ظهرت جمعيات ثقافية  تطالب الدولة المغربية بمراجعة سياستها اللغوية والثقافية واتخاذ إجراءات سياسية وقانونية للنهوض بالأمازيغية. هل يمكن اعتبار المرحلة الراهنة قد قطعت مع السياسة الإستئصالية السابقة الذكر أم أنها مجرد مرحلة جديدة من «السياسة البربرية»؟

 من الصعب جدا إصدار حكم موضوعي على المرحلة  التي تعيشها الثقافة واللغة الأمازيغتين حاليا. فمن المؤكد أن القضية الأمازيغية قد قطعت أشواطا مهمة،  بفضل  نضال الحركة الأمازيغية، وبفضل تفهم أغلبية الأحزاب والقوى الديمقراطية، وكافة فئات الشعب المغربي لمشروعية مطالبها، وعدالة قضيتها، وإدراك الذكاء الجماعي المغربي  لأبعادها الحضارية والإنسانية.  ولعل أهم إنجاز حققته الأمازيغية، خاصة بعد خطاب صاحب الجلالة في أجدير،  هو تحرر فئات واسعة من المغاربة (الأمازيغيين منهم والعرب على حد سواء) من عقدة نفسية اسمها «الشلحة».   ومصدر تلك العقدة  هو سياسة التهميش والاحتقار والإقصاء  التي نهجتها  ما سمي بالحركة الوطنية بعد تحكم  أقطابها في القرار السياسي الثقافي واللغوي والتعليمي في بلادنا لعقود طويلة. كانت تلك العقدة تشكل الحاجز النفسي الأساسي الذي حال بين مصالحة المغاربة وذاتهم، ودفع العديد منهم إلى التماهي مع الغالب والإقتداء به، والتنكر لذاته وهويته ولغته….

 أعتقد  أن تلك العقدة قد فكت اليوم، (لدى فئات كبيرة على الأقل) وأننا نعيش مرحلة جديدة فعلا؛ تتوفر فيها كل شروط النهوض باللغة  والثقافة الأمازيغيتين، وخاصة منها الشرط الدستوري.  يمكن أن أقول إذن، دون أن أخشى مخالفة الصواب، إن النظرة السائدة إلى الأمازيغية، لغة وثقافة  وهوية، قد تغيرت اليوم بصورة جذرية. طبعا، هناك من ما يزال يقاوم هذا التقدم الحاصل في الوعي الجماعي المغربيى ، ويحاول ضرب كل الإنجازات والمكتسبات التي حققتها اللغة والثقافة الأمازيغيتان. نلمس ذلك في الخرجات  الإعلامية لبعض فلول أحزاب البعث المشرقية التي ما تزال تنشط في بلادنا، رغم الدمار والخراب الذي ألحقته تلك الأحزاب ببلدانها الأصلية  في المشرق…ومن أمثلة ذلك  إثارة بعضهم  لمشكلة حرف كتابة الأمازيغية  من جديد،  (والذي يسمونه بالحرف الفينيقي إمعانا في  تحقيره) ، ودعوتهم لإعادة النظر في المبادئ  الأربعة التي تم تبنيها لتدريس اللغة الأمازيغية، وخاصة منها مبادئ الإجبارية والتوحيد والتعميم العمودي والأفقي،  وإنكارهم  لحق  إيمازيغن  في معيرة لغتهم وتوحيدها وتطويرها بنفس الأساليب التي تتم بها تنمية اللغة العربية وباقي اللغات في العالم، هذا زيادة على ما يتعرض له كل من حاول الدفاع عن الأمازيغية من سب وشتم وتخوين وتصهين، واتهامه بكل أنواع التهم. أكيد أن هؤلاء لن يستسلموا بسهولة، ولن يتخلوا بدون مقاومة عن مواقع الهيمنة التي ألفوها،  وسيستجمعون كل قواهم لشن حملات شعواء  للحيلولة دون صدور قانون تنظيمي  يولي اللغة الأمازيغية فعلا  المكانة التي يخولها لها دستور البلاد. هناك أيام عصيبة ما تزال تنتظر الأمازيغية. ومع ذلك، فإنني جد  متفائل لأن عجلة التاريخ لا تدور إلى الوراء أبدا.

تم التنصيص على دستورية الأمازيغية، إلا أن ترسيمها ظل مشروطا بقانون تنظيمي لايزال هو الآخر حبيس جدران منشأة البرلمان، في الوقت الذي تستعد فيه مجموعة من الفرق البرلمانية لوضع مشروع قانون ل «حماية اللغة العربية». وباستحضاركم، لتجارب دول أخرى في هذا الشأن، هل الأمر يقتضي كل هذه الترسانة القانونية التجزيئية أم أن البلاد يحتاج إلى استراتيجية ثقافية وتخطيط لغوي شامل بعيدا عن الصراعات السياسية والإيديولوجية؟

اللغة العربية محفوظة في كتاب الله، وأهلها يتوفرون على ما يلزم من الإمكانات المادية والبشرية للإعتناء بها، والعمل على تطويرها وتنميتها. فهي لا تحتاج، إذن، لأية هيأة أو جمعية أو قانون لحمايتها… وعكس ذلك، فإن ما تحتاج إليه ، في نظري،  هو ثورة  ديداكتيكية تعيد النظر في طرق تدريسها، وأساليب تعلمها، والاستفادة في ذلك من الطرق البيداغوجية الجديدة، الوسائل التكنولوجية والإعلامية الحديثة، وفتوحات العلوم المعاصرة . فلا يعقل أن يفني   المرء عمره كله في تعلم اللغة العربية، ويموت وفي قلبه شيء من حتى.  كل الدراسات المنجزة لحد الآن تجمع على أن مستوى تلاميذنا وطلبتنا في اللغة العربية متدني جدا، وذلك رغم الكم الهائل من الساعات المخصصة لتدريسها. هذا يعني أن الخلل إنما يكمن في طرق التدريس والتعلم وليس في شيء آخر غيرها.

ومن ناحية أخرى، تحتاج اللغة العربية إلى معهد علمي موحد على مستوى البلدان الناطقة بالعربية (ولا أقول البلدان العربية) لتوحيد مصطلحها، وتطويره، وتأهيله لمواكبة التغيرات الفكرية والعلمية التي يعرفها العالم.  فكثيرا ما يجتمع العلماء الناطقون باللغة العربية، ويضطرون إلى استعمال لغة أخرى للتواصل فيما بينهم بسبب غياب معجم علمي عربي موحد بينهم. إن ما ينكره التعريبيون على اللغة الأمازيغية، أي التوحيد والمعيرة واعتماد البحث العلمي لتطوير اللغة وأساليب تعليمها وتعلمها  هو بالضبط ما تحتاج إليه اللغة العربية، ولكن على مستوى مجمع عالمي  للغة العربية وليس على مستوى كل قطر عربي  على حدة.

وبخصوص مشهدنا اللغوي، يجب أن نكف على وضع  اللغتين العربية الأمازيغية في تقابل وتعارض مع بعضهما: فهما معا لغتا المغاربة، وإرثهم المشترك؛ تعايشتا قرونا  طويلة، ولم يحدث قط أن وقع اصطدام بينهما، إلى أن ابتلينا بأيديولوجيا القومية العربية التي أصبح معها المغرب الأقصى مغربا عربيا، والعالم الإسلامي عالما عربيا، والعلوم الإسلامية علوما عربية، والفارابي وابن سينا والخوارزمي وكل العلماء المسلمين علماء عرب إلخ. فكان من الطبيعي أن يثير هذا التطرف تطرفا مضادا… يتعين علينا أن نتخلص من هذه القوميات البغيضة التي لا تعترف إلا بذاتها، وتلغي ما دونها، وأن نعيد الاعتبار لكل مكونات بلدنا، والاعتزاز بها. ومن أجل ذلك نحتاج، بدون شك إلى  قوانين عادلة، تعطي لكل حق حقه،  غير أننا نحتاج، أكثر من ذلك، إلى تغيير التصورات والعقليات والكف عن احتقار تراثنا وذواتنا.

تتساءل العديد من الفعاليات عن مصير اللغة والثقافة الأمازيغيتين، بعيد تجميد عضوية مجلس إدارة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وبروز نقاش حول إنشاء «المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية» المنصوص عليه في دستور 2011. في نظركم، هل سيكون وضع الأمازيغية في هذا المجلس متقدما أم أن الأمر يعد تراجعا عن وضعها الحالي؟

يجب التأكيد  بداية على الدور الهام الذي قام به المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية لحد الآن، والاعتراف–رغم كل ما يمكن أن نؤاخذه عليه – بالمجهود الجبار الذي بذله من أجل تطوير البحث في اللغة والثقافة الأمازيغية، وإدخال اللغة الأمازيغية إلى المدرسة المغربية، ووضع المناهج والبرامج والكتب المدرسية والعدة التربوية الضرورية لذلك، هذا زيادة على وضعه لمجموعة من المعاجم المتخصصة في مختلف الحقول التكنولوجية والمعرفية. لكن أهم ما ينبغي أن نهنئ عليه أنفسنا هو ما أنجزه المعهد في مجال معيرة اللغة الأمازيغية، وهي مهمة شاقة أعتقد أن المعهد قد أفرغ  منها بنجاح. وهذا يعني أن  اللغة الأمازيغية توجد  الآن في وضعية  تؤهلها للقيام بدورها كاملا، باعتبارها لغة رسمية، في الإدارة والمدرسة والمرافق العامة… هذا خيار استراتيجي ورهان كبير كسبته اللغة الأمازيغية، ويتعين الآن استثماره على الوجه المطلوب. من المؤكد أن هذا لإنجاز التاريخي لم يكن ليروق مناوئي اللغة الأمازيغية، وهو ما يفسر الحملة التشهيرية التي يقودها بعضهم ضده، ومحاولات التشكيك في قيمة عمله، الحط من قدره، والاستهزاء باللغة الأمازيغية المعيارية، التي ينعتونها باللغة الإركامية ولغة المختبر وغيرها من النعوت القدحية، وكأن كل معاهد البحث اللغوي في العالم ، بما فيها  البلدان التي تقول إنها عربية،  ليست مختبرات. 

ومع ذلك، نلاحظ أن كل هذه الإنجازات، على أهميتها قد بقيت لحد الآن حبيسة جدران المعهد، ولم توضع بعد رهن إشارة العموم.  والواقع أن ما تحتاج إليه اللغة الأمازيغية بصورة ملحة ومستعجلة في الظرفية الراهنة هو إصدار معجم موحد رسمي، عربي/أمازيغي، وأمازيغي /عربي، بأعداد وافرة، وبثمن رمزي، يكون في متناول العموم في كل المكتبات الوطنية، وفي كل أماكن البيع، وفي كل مناطق المغرب. إن أعدادا كبيرة ومتزايدة من المغاربة يريدون اليوم تعلم اللغة الأمازيغية، وكتابتها، والتواصل بها، وكتابة أسماء  محلاتهم التجارية  وغيرها بها، ولكنهم لا يجدون معجما رسميا يسعفهم على ذلك، ويمكنهم من ترجمة بعض المصطلحات الحديثة إلى الأمازيغية باعتماد المصطلح الرسمي عوض الكلمات المستمدة من اللهجات المحلية.  ليس من الضروري أن يكون هذا المعجم كاملا الآن ؛  يمكن البدء بما هو متوفر، وإصدار معجم أولي، ثم العمل على  إغنائه  بالتدريج، وإعادة طبعه كل سنة، كما هو الحال بالنسبة لقواميس كل اللغات الحية في العالم. هذه ليست مسؤولية المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وحده، وإنما هي مسؤولية الدولة المغربية بالدرجة الأولى، لأنه لا يمكن إدراج اللغة الأمازيغية في المدرسة والإدارة والحياة العامة  في غياب معجم رسمي يحدد المصطلحات الأمازيغية الرسمية المقابلة للمصطلحات العربية والأعجمية (الفرنسية والإنجليزية بالخصوص) المتداولة، ويحدد معاني الكلمات المختلفة الملزمة رسميا وقانونا للجميع.

أما عن الوضعية المحتملة للغة الأمازيغية في المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية المنصوص عليه في دستور 2011، فلا يمكن الرجم بالغيب بشأنها . سنرى ما ستأتي الأيام به. ولكننا نتمنى أن يعامل هذا المجلس اللغتين الأمازيغية والعربية على قدم المساواة، وأن يوفر لهما كل شروط النمو والانتشار، مع بعض التمييز الإيجابي المؤقت لفائدة اللغة الأمازيغية لتدارك الضعف والوهن والتآكل الذي لحقها بفعل السياسة الاستئصالية التي نهجتها الدولة المغربية في حقها على مدى ما يزيد عن نصف قرن من الزمن.

حاوره: سعيد باجي

شاهد أيضاً

الشعر الأمازيغي- أزايكو- الإيديلوجيا: حوار مع الباحث محمد تايشينت حول كتابه النقدي عن أشعار صدقي علي أزايكو

أصدر الباحث المغربي محمد تايشينت عمله النقدي الأول ” الشعر و الإيديلوجيا: في التحليل النقدي ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *