الإستئصاليون الجدد ومعاركهم الوجودية!

بقلم: عبد الله غازي
بقلم: عبد الله غازي

عود على بدء، أستجدي لطفكم وعذركم لاجترار بوحٍ يأبى الكثمان.

توطئةً، أدقق أنه في خضم انغماسي المتعدد الأبعاد في ردهات الشأن العام (سياسيا وحزبيا و مؤسساتيا ومدنيا..)، أحرص أشد ما يكون الحرص، بوعي عميق وإجهاد إرادي، على الوفاء لخصلة الإنصات والتتبع اليقظ والمتفاعل مع المحيط القاصي والداني ، بفعل إيمانٍ راسخ ٍ بأن المنافسة والنقد والتدافع والإختلاف مهما كانت شدتها لا يكتنفها الأذى ولا الضرر بقدر ما هي محقِّقةٌ للإنضاج وموسومة بنٓفٓس البناء والتحفيز واليقظة المُدرِكٓة !..

عن غير هذا يدور قصد بٓوْحِي المجْتٓرِّ! خندق البؤس أقصد، والتبخيس الممنهج وتهافت العدم أعني.

صدقا وتحديدا، أكرر التأكيد أنهما، في تقديري، فئتان تعيشان بؤس المعاناة وحلكة الأفق، مما يجعلك، رأفة، تلتمس لكلاهما أعذارا: لدواعي باثولوجية لفئة الجحود والجحور، ولضغط أجندات يائسة ومنكسرة لفئة من المندحرين والمتطلعين لمكان تحت الشمس، والمراهنين على إخماد وإطفاء المضيء لعجزهم المحقق في سجل مراس و مران الفعل / فعل الإضاءة !!!

هؤلاء لا يمارسون النقد ولا يستهدفون النصح ولا المعارضة المشاكسة حتى!.. لا يقارعون ولا يحاججون، لا يتسم فعلهم بالتدافع ولا بالتنافس، لا يكترثون بالميدان ولا بالتقييم، لا يؤمنون بالشرعية التمثيلية ولا بشرعية الإختلاف.

منهجهم ومسعاهم ووصفتهم هي النفي وعقيدتهم غير المعلنة هي الإستئصال!.. اقتلاع الجدور وتجفيف المناهل هي عنوان برنامجهم و” أم معاركهم”… أصوليتهم كهنوتية وحداثتهم ستالينية. مشروعهم الوحيد الأوحد هو نفي مشروع الآخر، خبرتهم هي النسف، والمعول هو سيد أدواتهم.

المزايدة والصيد في الماء العكر والتبخيس نعوت وألفاظ غير كافية دلاليا في قاموس تناول عقيدتهم. النفاق والمواربة والتقية تفاصيل صغيرة في سجل رذائلهم!

هي نفوس مشمئزة وبئيسة يحركها الحقد والضغينة والإنتقام، ولا قبل لها بالمصلحة ولا بالمفسدة، اللهم ركوبها مشجبا و دريعة وحصان حرب، حرب قذرة، تزداد ضراوتها مع كل إشراقة وإزاء كل بصيص أمل في نجاح مأمول!

أجرؤ على نعتهم بالإستئصاليين -واعيا ومدركا قساوة التصنيف والتوصيف- لأن خلفيتهم بل وعقيدتهم تتجاوز السعي نحو المنافسة والإزاحة المقترنة بالتدافع. نفسهم أمارة بالإقتلاع الجدري والوجودي لتوجه ومشروع الآخر، لم يدعوا قط إلى تطوير أو تحسين، ما يحركهم هو النفي القطعي والإجتثات المشمول بإرهاب الفكر. ما رأيتهم قط يحاولون، ولو تمويها، تمرين نسبية التقييم والموقف، يصطفون في طابور المتفرجين المتلصصين حين تغيب عندهم الذريعة وينقضون على أدنى فرصة ركوب وأيديهم محملة بمعاول الهدم و” بينسات” الإقتلاع و الإستأصال!..
يستفزهم النجاح / نجاح الآخر، و وتجيشهم سقطاتهم حد السعار، ويجمعهم روح الفريق (la corporation ) في انجذاب غير فيزيائي بين السالبين!..

ختما وليس حسما، أعود وأعتذر لمن لم يألف مني مراعاة هكذا عويل، موضحا على سبيل التنبيه:
أن خربشاتي أعلاه لا تعني قطعا المنتقدين والمتتبعين مهما كان مستوى الإختلاف معهم ودرجة تقابل مشاريعنا و توجهاتنا؛
أن من يعنيهم الأمر كعادتهم سيتعرفون على أنفسهم بدون عناء، وأنني لا أنتظر منهم تغييرا أو مراجعة بقدر ما يمتلكني الإشفاق على بؤسهم، لا أنتظر مراجعاتهم لأن معركتهم وجودية ولا سبيل لهم غيرها، بل قد يقول قائل أنهم مجزوءة لازمة وحتمية ” للمنظومة الإحيائية” والعياذ بالله؛
أن أغتنمها فرصة لتحذير إخوتي وأصدقائي خصوصا الشباب المنخرط في الفعل والعمل ألا يقعوا فريسة لهؤلاء الساعين إلى كسر العزائم؛ وهي غاية لعمري أعترف لهم بنيلها من بعض الناشئة، لما لا وأسلحة رواد مدرسة النفي والإستئصال متعددة ومختلفة الأساليب والألوان: فبين الوجه المكشوف والمقنع و استعمال الإشاعة تارة والتلفيق تارة أخرى يسهل الغوص في مستنقعاتهم النثنة ويستعصي على كل سويِّ مجاراة انحطاط وخسة نهجهم؛
أن صدق نيتنا وحصيلتنا المقدرة، على امتداد ما يربو عن 20 سنة في الميدان، كفيلة بتيسير اطمئنان النفس وراحة الضمير، مع السؤال للرقيب/المحصي/البصير التوفيق والسداد.

شاهد أيضاً

هل تحل الجزائر محل فرنسا في مالي؟

الجزائر: تقليد عدم التدخل العسكري منذ ظهور حركة احتجاجية على مستوى البلاد في فبراير 2019، ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *