
فالمرأة الأمازيغية لم تكن يوماً مجرد موضوع للاحتفاء الرمزي في المناسبات. لقد كانت، عبر قرون طويلة، المؤسسة الحقيقية التي حفظت للأمازيغية وجودها. كانت المدرسة الأولى للأجيال، والفضاء الذي انتقلت عبره اللغة والثقافة والمعرفة من جيل إلى آخر.
لقد كانت المرأة الأمازيغية هي التي تلقّن الأطفال كلماتهم الأولى، وهي التي تنقل إليهم الحكايات والأمثال والأغاني، وهي التي تحفظ الذاكرة الجماعية داخل الحياة اليومية للأسر. ولذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن تُسمّى اللغة الأمازيغية اللغة الأم. فالأم لم تكن فقط منبع الحياة، بل كانت أيضاً منبع اللغة والثقافة.
لقد صمدت الأمازيغية قروناً طويلة، ليس بفضل المؤسسات ولا بفضل السياسات العمومية، بل بفضل النساء داخل البيوت. ففي الوقت الذي كانت فيه اللغة غائبة عن المدرسة، ومهمّشة داخل الإدارة، كانت حاضرة بقوة في كلام الأمهات والجدات، في الدعاء والنصيحة، وفي الحكايات التي كانت تُروى للأطفال في الليالي الطويلة.
واليوم، بعد الاعتراف الدستوري بالأمازيغية، وبعد صدور القوانين التنظيمية والمراجع القانونية والإدارية التي تؤطر عملية تفعيل طابعها الرسمي، بدأت المرأة الأمازيغية تلعب دوراً جديداً في الفضاء العام. لقد أصبحت حاضرة داخل الإدارة والمؤسسات والجامعة، وأصبحت مساهمتها في تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية حقيقة ملموسة.
إنه تطور إيجابي ومصدر اعتزاز.
لكن الصراحة تفرض علينا أن نقول إن هذا التقدم، رغم أهميته، لا يكفي.
فبينما بدأنا نطمئن إلى دخول الأمازيغية إلى المؤسسات، بدأ يتسلل في المقابل قلق حقيقي لما يحدث للأمازيغية داخل البيوت، فالمفارقة التي بدأت تتشكل اليوم مقلقة. فالأمازيغية التي كانت تاريخياً لغة البيت، بدأت في بعض الحالات تغادر هذا الفضاء الحميمي الذي حماها عبر القرون. بدأت بعض الأمهات، أحياناً بوعي او دونه، يتخلين عن مخاطبة أبنائهن بالأمازيغية، بدافع الاعتقاد بأن اللغات الأخرى أكثر نفعاً لمستقبلهم، أو بدافع الرغبة في الاندماج في محيط اجتماعي مختلف.
والنتيجة أن مشهداً جديداً بدأ يظهر في المجتمع، إنهن جدات يحاولن تعلم كلمات من الفرنسية أو الإنجليزية للتواصل مع أحفادهن الذين لم يعودوا يفهمون لغة أجدادهم.
لا أحد يعارض تعلم اللغات. فالانفتاح اللغوي ثروة حقيقية، وهو ضرورة في زمن العولمة. لكن المشكلة لا تكمن في تعلم لغات جديدة، بل في التخلي عن اللغة الأصلية داخل البيت.
فاللغة لا تموت في القوانين…
بل تموت في الصمت.
تموت عندما تتوقف الأم عن مخاطبة طفلها بلغتها.
وتموت عندما يصبح الطفل قادراً على فهم لغات العالم لكنه عاجز عن فهم لغة جدته.
وهنا يفرض علينا أن نطرح السؤال، ما قيمة حضور الأمازيغية في الإدارة إذا غابت عن البيت؟
فاللغة لا تعيش في المراسيم ولا في اللوحات الإدارية. اللغة تعيش أولاً في العلاقة اليومية بين الأم وطفلها، في الكلمات الأولى التي يسمعها وهو يتعلم الكلام، وفي العبارات التي تشكل ذاكرته العاطفية الأولى.
لقد كان البيت عبر التاريخ الحصن الأخير الذي حمى الأمازيغية عندما غابت عن المدرسة والإدارة. وإذا فقدت الأمازيغية هذا الحصن، فإن كل القوانين وكل السياسات اللغوية لن تكون كافية لإنقاذها.
غير أن هناك سؤالاً آخر لا يقل أهمية، بل ربما أكثر حساسية، ألا وهو، ما الصورة التي نقدمها اليوم عن المرأة الأمازيغية داخل الفضاء الثقافي والإعلامي، وخاصة داخل الدراما الأمازيغية؟
فالدراما ليست مجرد ترفيه. إنها مرآة للمجتمع، لكنها أيضاً أداة قوية لتشكيل الوعي وصناعة الصور الذهنية. ولذلك فإن الطريقة التي تُقدَّم بها المرأة الأمازيغية على الشاشة ليست مسألة فنية فقط، بل هي مسألة ثقافية عميقة.
وفي كثير من الأحيان، تبدو الصورة التي تقدمها بعض الأعمال الدرامية بعيدة عن الحقيقة التاريخية لدور المرأة الأمازيغية. فبدل أن تُقدَّم باعتبارها حاملة للمعرفة واللغة والذاكرة الجماعية، يتم أحياناً اختزالها في أدوار نمطية سطحية، أو تقديمها في صور دونية، أو حتى في أدوار تربطها بالجهل أو الشر أو النقص الأخلاقي.
هذه الصور النمطية ليست بريئة، إنها تؤثر في نظرة المجتمع إلى المرأة الأمازيغية، وتؤثر أيضاً في نظرة المرأة الأمازيغية إلى نفسها.
فعندما يتم تسويق صورة سلبية عن المرأة الأمازيغية داخل الإعلام والدراما، فإن ذلك يدفع بعض النساء، أحياناً دون وعي، إلى الابتعاد عن لغتهن وثقافتهن، ومحاولة تقمص ثقافة أخرى يُعتقد أنها أكثر حداثة أو انفتاحا، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، فالمرأة التي حفظت اللغة عبر القرون لا يمكن أن تختزل في صورة هامشية داخل الدراما.
والمرأة التي نقلت للأجيال الحكاية واللغة والحكمة لا يمكن أن تُقدَّم في أدوار كاريكاتورية أو ثانوية.
إن الدراما الأمازيغية، إذا أرادت أن تؤدي دورها الثقافي الحقيقي، مطالبة أيضاً بإعادة الاعتبار لصورة المرأة الأمازيغية كما صنعها التاريخ، امرأة قوية، حاملة للذاكرة، ناقلة للمعرفة، وصانعة للهوية.
لذلك فإن الرهان الحقيقي اليوم لا يقتصر على إدخال الأمازيغية إلى المؤسسات، بل يتجاوز ذلك إلى حماية حضورها داخل المجتمع نفسه.
فمستقبل الأمازيغية لا يُحسم فقط في مكاتب الإدارات…
بل يُحسم كل يوم داخل البيوت.
يُحسم عندما تختار الأم اللغة التي تخاطب بها طفلها.
ويُحسم عندما تقرر الأسرة أي لغة سترافق الطفل في سنواته الأولى.
ولهذا يجب أن ندق ناقوس خطر كبير ينبهنا إلى انه بقدر ما نطمئن اليوم إلى دخول الأمازيغية إلى الإدارات والمؤسسات، بقدر ما يجب أن نقلق إذا بدأت هذه اللغة تغادر البيوت.
فأكبر خطر قد يواجه الأمازيغية اليوم ليس أن تتأخر في الإدارة، بل أن تختفي بصمت داخل الأسرة.
وإذا تحولت الأمازيغية إلى لغة حاضرة في الوثائق والإدارات لكنها غائبة في البيوت، فإننا سنكون قد ربحنا معركة القانون وخسرنا معركة الحقوق ومعركة الحياة.
وقديما قال الحكيم الأمازيغي:
ⴳⴰⵔ ⴰⵎⴽⵙⴰ ⵙⵏⴰⵜ ⵜⵡⴰⵍ ⴰⴷ ⵉⴽⵙⵙⴰ
gar amksa snat twal ad ikssa
الراعي الفاشل يرعى مرتين
صرخة العدد 302 مارس 2026/2976– جريدة العالم الأمازيغي
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر