عودة إلى كتاب “الأصول العربية الفصيحة للأمازيغية” لصاحبه عبد اللطيف الوهابي، الإطار السابق بوزارة التربية الوطنية.

بقلم: الدكتور عبدالسلام خلفي

لقد أشرنا في السابق إلى أن صاحبنا يؤكد على أن كلمة “لالاّ” ذات أصول عربية قُحّة، وأن كل المشتقات (أو ما يُقدمُه على أنه مشتقات من نفس الكلمة “لالا”) التي اشتُقت منها إنما هي ذات جذور عربية بحتة. وبدون العودة إلى تاريخ اللغة العربية المعروف والذي يُعتبر من طرف مؤرخي اللغات تاريخاً فتياً إذا قورن بتواريخ اللغات الأعرق التي كانت تُستعمل قبلها في منطقة الشرق الأوسط قديماً وفي شمال إفريقيا؛ وإذا ذهبنا مع النظرية التي تؤكد أن اللغة العربية قد أخذت كل مادتها المعجمية تقريباً من هذه اللغات، وبخاصة اللغة الآرامية التي يُحرّمُ إلى اليوم تدريسها في جميع الجامعات العربية، لخوفهم لما سيكون لذلك من تثوير وتغيير كلّي على المفاهيم الخاطئة والكاذبة حول العربية وحول أصولها التي تعتبرها التوراة كنعانية (لقد جاء في التوراة “والعربية شفة كنعان”) وأنها لهجة فلسطينية ولا علاقة لها بعربية الجزيرة التي انقرضت؛ ثم إنه أيضاً بدون الوقوف عند قصورالباحث المنهجي الذي لا نعرف ما هو إلا ما تعلق بجمعه لركام من المعارف بشكل فوضوي، ومن هنا ومن هناك، وبدون أي تنضيد ولا تنسيق بينها أو إثبات لحجيتها بالاستناد على الأقل إلى علوم الفيلولوجيا والأركيولوجيا وتاريخ اللغات واللسانيات الدياكرونية (إلا ما توافق مع هواه الذي يبتغي)؛ أقول بالرغم من كل هذه الملاحظات التي سأتجاوزها ولن أتوقف عندها، أودُّ فقط في هذه العجالة أن يجيبني الباحث عن سؤال واحد هو: كيف أمكن له أن يُرجع كل الكلمات من “لالا” و”إيل” و”إلّ” و”الإلة” و “اللّات” إلخ. إلى اللغة العربية ونحن نعلم أن هذه الكلمة نجدها في لغات أخرى غير العربية بل وفي لغات أقدم من العربية نفسها، وذلك مثل اللغة الأمازيغية واللغة الأوغاريتية واللغة العبرية واللغة الأكدية واللغة السريانية واللغة الأمهارية واللغة السريانية واللغة المصرية القديمة (القبطية) واللغة اليونانية واللغات الهندو-أوروبية واللغة اليونانية واللغة الإيرلاندية واللغة اللتوانية القديمة واللغة السلافية القديمة واللغة التاميلية واللغة الأذريبيجانية واللغة الدرافية (لغة هندية) واللغات الكنعانية إلخ. وإليكُم بعض تنويعات كلمة “إيل” (استناداً إلى بحث قديم كنتُ قد أنجزتُه حول هذه الكلمة في إطار دراسة أنتروبولوجية عن مفهوم “إيل”) بمعنى الإله ومعنى الكبش وبمعاني أخرى ذكر بعضها صاحبنا، تنتمي إلى نفس الحقل الدلالي:

“إل” في اللغة الأوغاريتية، (وتقال للكبش)؛ وبالعبرية “آيَل”؛ وذنب الخروف بالعربية والعبرية “إلية”، ويعني العزة والقوة أيضاً في العبرية؛ وباللغة الأكدية “ألو”، وتعني سلالة جيدة من الخراف، كما تعني “الثور” أيضاً. واللغة بالسريانية “أيلا”، وبالحبشية “هيال”، وبالقبطية (المصرية القديمة): “إيول”.

وباليوناينة إللوس (ellos) وبالهندية-الأوروبية هيلن (hel-n)وبالإيرلاندية (eilt) وباللتوانية القديمة (alnis) وبالسلافية القديمة (jeleno) (إيل)، وباللغة الدرافيدية، في جنوب الهند إيلي (ele)، وفي التاميلية تطلق اللفظة iralai على غزال – ظبي؛ وبلغة أذربيجان أليك alik؛ وفي اللغات الهندية الجنوبية (الدرافيدية) تعني كلمة أل (al) القوة، (كانت المجتمعات القديمة تعتقد دائماً أن هناك علاقة وطيدة بين “الكبش” / “الثور” / الإله والقوة)؛ وفي اللاتينية تعني كلمة ألو alo (القوة، العزة، الغذاء)؛ وفي اللغة الكنعانية تحيل الكلمة “إيل” إلى المعبود الفلسطيني “إيل”، والذي نجده أيضاً في العبرية “إيلوهيم”، وفي البابلية “بابل” وفي الأسماء العبرية مثل (اسماعيل، عزرائيل، إسرائيل إلخ)؛وفي الأسماء العربية مثل شرحبيل…كما أن هذه الكلمة نجدها أيضاً في اللغة الأمازيغية وهي كلمة “أولّي”، بمعنى الأغنام أو ما يمتلكه الفلاح من أكباش وأغنام وماعز؛ وفي أمازيغية الريف “أودجي”…

إذا أجابني السيد عبد اللطيف الوهابي عن هذا السؤال، وعن من أخذ عن من استناداً إلى هذه المعطيات، فإني سأتجاوز عن كونه أخطأ في المنهج وأخطأ في اعتباره “لالا” أحد مشتقات “إيل” أو العكس؟ وأتجاوز عن كونه راكم معلومات لا رأس لها ولا رجلين. فمن أخذ، إذن، عن من؟ هل كلُّ هؤلاء أخذوا عن العرب؟ ماشي معقول! وإذا كان الأمرُ كذلك، فكيف سيأخذُ الأقدمُ عن الأحدث؟ كيف سيأخذ مثلاً السومريُّ عن العربي والسومري هو الأقدم؟ ثم كيف يمكن أن يأخذوا عن العرب هذه الكلمة والعربُ أنفسهم هم من أخذوا كلمة الله (إيلو، إيلوهيم، إيل، ) عن ديانات أقدم من الديانات العربية؛ الرجوع لله آسي عبد اللطيف… علم الفيلولوجيا علم كبير… ولا أعتقدُ أن إطاراً في وزارة التربية الوطنية بقادر وحده على أن يلم به بهذه السهولة. إني أعود فقط إلى ما أكده سالم شكير عندما ذهب إلى أن هناك فُرشةً (couche) معجمية عميقة وأكثر قدماً تنتمي إلى لغات حوض البحر الأبيض المتوسط وإلى اللغات الأخرى المجاورة؛ وأن هذه الفرشة المعجمية مشتركة بين جميع لغات الشعوب بهذه المنطقة؛

أخيراً، أعتقد أن السيد عبد اللطيف لو رجع إلى كتابات اللغويين العرب أنفسهم قبل أن تضربهم لوثة القومية العروبية لعلم أنهم ألفوا العديد من كتب اللغة يُرجعون فيها الكلمات العربية إلى أصولها الفارسية والهندية والأمازيغية وغيرها كما فعل السيوطي وغيره؛ بل إن القرآن نفسه، كما ذهبوا، يحتوي على معجم أغلبه ليس عربياً؛ وكلمة القرآن نفسها ليست عربية، فهي كلمة آرامية (“قورينو”) والتي تحمل نفس مدلول القرآن في العربية.

ملاحظة أخيرة: لقد اعتمد السيد عبد اللطيف الوهابي كثيراً على لسان العرب لصاحبه ابن منظور؛ والثابت أن ابن منظور عاش بين ظهراني الأمازيغ، فهناك من يقول أنه ولد بتونس وهناك من يقول أنه ولد بليبيا الحالية؛ ولكن الأكيد أن هذه الشخصية الأمازيغية التي صنعت للعرب أكبر موسوعة معجمية في التاريخ عادة ما كان يدخل في قاموسه كلمات أمازيغية عندما لم يكن يجد لها مقابلاً في العربية؛ والذي يؤكد هذا أكثر أن الكثير من الكلمات التي أوردها ابن منظور في لسانه نجدها مستعملةً في شمال إفريقيا ولكن لا نجد لها استعمالا في العربية سواءٌ العربية الفصحى أو العربيات الدوارج في الشرق الأوسط. هذه ملاحظة يجبُ أن يأخذها كل دارس بعين الاعتبار، وإلا فإن كل مآلات اجتهاداته ستكون مضيعة للوقت أو دفاعاً عن أدلوجة … إوا..مين تنّام؟ (ماذا تقولون؟).

شاهد أيضاً

حتى لا يخفي سقف الثلاثين الوضع المخيف للمنظومة التعليمية

لا أحد يختلف مع الحكومة في سعيها إلى مصالحة المدرسة المغربية مع محيطها السوسيوتربوي لتكون ...

2 تعليقان

  1. عبد اللطيف الوهابي

    التعليق الأول على ما كتبه الدكتور عبد السلام…
    لسصت أخي الكريم رجل تنابز وهجوم ودفاع ززوكر وفر .. أنا رجل علم وقد تعرضت للعشرات من أمثال ما كتبت فكان ردي الوحيد هو أن العلم يؤخذ من أفواه الرجال.. لذا نظموا .. كلكم ، وفي إطار ما يجمعكم من جمعيات ومؤسسات رسمية مدعمة وممولة منة المال العام، نظموا مناظرة ،،، تستدعوني بصفتي الرسيمية كباحث .. ناقشوني،، انتقدوني كما شئتم في الوضوع والشفافية التامين الكاملين.. فنحن والحمد لله في بلد كفل الحرية العلمية حين تتوفر فيها الشروط.. قلت هذا للمدلاوي ولك ولغيرك.. البحث في أصول اللغات فرع من اللسانيات زز وبالضبط اللسانيات الدياكرونية وأنت أعلم … ربما .. مني بذلك .. فلتكن مناظرتنا في هذا الإطار .. ولنكفل لها ما تستوجبه من شروط , وآنذاك لكل حادث حديث.. أما بهذا الشكل المختبئ وراء الحجب فلست ممن يحبذونه.. أنا أعمل في الوضوح.. والوضوح التام… عملي منشور في المكتبات فلماذا لا تؤلف في نقده كما ألفت أنا في نقد شفيق.. أنا في انتظارك… مودتي…
    هام:: آسف لتأخري في الرد فأنا لست فايسيوكيا ماهرا ولا مهتم بالتنابز من وراء حجاب… مودتي الخالصة…

    أما التعليق الثاني فهو لدادا أنير .. اقول لك أخي راجع مادة : دادا .. في كتابي ، ص 168 .. إقرأها جيدا .. وبعدها أنا في انتظارك….

  2. لالا هي كلمة امازيغية تقال للمرأة السيدة مثلها مثل كلمة دادا التي تقال للرجل السيد فاذا اراد التعريبيون ان يرجعوا كلمة لالا الى اصلها العربي المزعوم فيجب عليهم ايضا ان يبحثوا عن معنى كلمة داد ا فبدونها سيخيب سعيهم. فلالا هي اخت دادا في الرضاعة فبدونها لن تكتمل الصورة . تحية للدكتور عبد السلام خلفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *