صرخة العدد 303 أبريل 2026/2976

المفارقة الغريبة هي انني صادفت هذا المشهد وأنا في زيارة لتافراوت بمناسبة تنظيم الدورة الثانية لملتقى “ذاكرة المقاومة بالأطلس الصغير الغربي“، تحت شعار “ذاكرة المقاومة … وفاء للتاريخ وبناء المستقبل” والذي حضي بالرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله. هذا الملتقى الذي لا يهدف فقط إلى استحضار صفحات مشرقة من تاريخ المقاومة، بل يسعى، في عمقه، إلى إعادة وصل الحاضر بجذوره، وإبراز غنى المنطقة ثقافياً وحضارياً، والتأكيد على أن الدفاع عن الوطن لم يكن يوماً منفصلاً عن الدفاع عن هويته وثقافته.
وفي قلب هذه الذاكرة، وكما العادة في كل مرة أزور فيها هذه الأرض الطيبة الا وصادفت أناس من رجال ونساء عايشوا او سمعوا عن حكايات والدي الحاج حماد ابن الشيخ أوكدورت الذي عُيّن قائداً على قبائل تافراوت ونواحيها مباشرة بعد حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956، من طرف المغفور له محمد الخامس رحمه الله. لم يكن ذلك التعيين مجرد مسؤولية إدارية، بل كان مشروعاً لبناء إنسان ومجتمع. فقد انخرط، رحمه الله، في تأسيس تافراوت الحديثة، وساهم في تطويرها، وجعل من التعليم ركيزة أساسية، خصوصاً تعليم الفتيات وتمكين النساء.
جلب معلمة لتعليم النساء الخياطة وحياكة الزرابي، وممرضة لتلقينهن مبادئ التمريض، ومعلمة لتعليم القراءة والكتابة. كان يؤمن أن كرامة المجتمع تبدأ من كرامة نسائه، وأن التقدم لا يتحقق دون إشراكهن في مسار البناء. وتحكي لي نساء عشن تلك المرحلة أنه، حين يذهب الى السوق ويراهن بلباس “تاملحافت” يغطين وجوههن في كامل وقارهن واحتشامهن، كان يقول لهن ببساطة عميقة: “عَرّين هنا وغطّين هن”، في إشارة الاولى إلى الوجه والثانية الى الفرج، تلخيصاً لحكمة مجتمعية راسخة توازن بين الحشمة والكرامة دون غلو أو انغلاق.
هذا الاستحضار ليس حنيناً إلى الماضي، بل تذكير بأن قيم الاعتدال والخصوصية كانت دائماً جزءاً من نسيج هذا المجتمع، وأن الحشمة لم تكن يوماً غريبة عن ثقافتنا، بل كانت وماتزال متجذرة فيها، بصيغها المتعددة، والمنسجمة مع بيئتنا وتاريخنا.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا الجهد الجماعي لإحياء الذاكرة وتعزيز الوعي بالهوية، يتزامن، في الآن ذاته، مع مظاهر متنامية من التنكر الصامت لهذه الهوية. ومن أبرزها انتشار لباس يُقدَّم على أنه “شرعي”، بينما هو في حقيقة الامر لباس مستورد من بيئات بعيدة عن السياق المغربي، ولا يمت بصلة لتاريخه أو لتنوعه الثقافي.
إن المغرب، بتنوعه وغناه الثقافي، لم يكن يوماً في حاجة إلى استيراد نماذج جاهزة لتعريف الحشمة أو الوقار. فالقفطان المغربي، بأناقته وتفاصيله الدقيقة، والجلباب التقليدي بطرق لبسه المتنوعة، بالقب باللتام أو الجلباب وغطاء على الرأس على الطريقة المغربية بألوان زاهية تزيد المرأة جمالا و”تاملحافت” بأنواعها الصحراوية والسوسية او الحايك الوجدي، كلها ألبسة تعكس حكمة المجتمع في التوفيق بين الاحتشام والانتماء، كلها نماذج حية تؤكد أن الحشمة كانت دائماً جزءاً من هويتنا، دون أن تلغي الجمال أو التنوع.
الا أن الأسئلة التي تفرض نفسها في هذا الصدد هي، كيف أصبح هذا الغنى موضع تردد، بل تنكر؟ وكيف تسلل إلينا شعور خفي بأن ما هو أصيل لم يعد كافياً، وأن علينا البحث عن بدائل مستوردة لنثبت التزامنا وانتماءنا؟
إن اللباس ليس مجرد اختيار فردي معزول، بل هو تعبير عميق عن تمثلات المجتمع لنفسه. وحين يتحول إلى أداة لطمس الخصوصية، أو إلى قناة لاختراق ثقافي غير واعٍ، فإن الأمر يتجاوز حدود الحرية الشخصية ليطرح سؤالاً جماعياً حول اتجاه المجتمع ومصيره.
لقد كانت تافراوت، خلال هذا الملتقى، شاهدة على معادلة واضحة مفادها أنه لا يمكن الحديث عن مقاومة دون هوية، ولا عن وطن دون ثقافة، ولا عن مستقبل دون ذاكرة. ومن هنا، فإن الدفاع عن لباسنا التقليدي، وعن رموزنا الثقافية، ليس حنيناً إلى الماضي، بل هو وعي بضرورة حماية التوازن الذي يضمن لنا الاستمرار.
إننا اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن نستعيد ثقتنا في ذواتنا، ونُعيد الاعتبار لما نملكه من غنى وتنوع، أو نواصل هذا الانزلاق الهادئ نحو التماثل وفقدان الخصوصية.
إن تافراوت ليست حالة معزولة، بل نموذج مصغرا لواقع أوسع، فما بدا مشهدا عابرا وبسيطاً هو في الحقيقة علامة على تحول أعمق يستدعي التفكير الجاد، وليس الصمت المطبق. لان الأمم لا تفقد هويتها فجأة بل تفرغ منها بالتدريج تحت عناوين براقة وبصمت مقلق.
إنه في مثل هذه التفاصيل الصغيرة، تختبئ الأسئلة الكبرى التي ينبغي أن نمتلك الشجاعة لطرحها.
وقديما قال الحكيم الامازيغي:
ⵉⵥⵓⵕⴰⵏ ⵓⴳⵊⵊⵉⴼ ⴰⵢ ⵢⵜⵜⴰⵔⵓⵏ ⵜⵉⵢⵢⵏⵉ
IZuRan ugjjif ay yttarun tiyyni
ما معناه: الأمور بأصولها لا بفروعها
صرخة العدد 303 أبريل 2026/2976– جريدة العالم الأمازيغي

