مزيان رحو : الرواية الأمازيغية اليوم قادرة على الانطلاق من خصوصيتها الثقافية نحو أفق إنساني كوني
في هذا الحوار مع جريدة “العالم الأمازيغي“، يفتح مزيان رحو نافذة على محطات من سيرته الشخصية والعلمية، ويتحدث عن تجربته في الترجمة الأدبية، وعن رهانات الرواية الأمازيغية المعاصرة، كما يقف عند روايته الأخيرة “Aseggwas Asmttan” التي تمزج بين الخيال العلمي والأسئلة البيئية والوجودية، مستعرضا رؤيته لدور الأدب في مساءلة التحولات الكبرى التي يعيشها الإنسان والعالم اليوم. حوار يكشف جوانب من تجربة كاتب يواصل الاشتغال على مشروع ثقافي وإبداعي يجعل من اللغة الأمازيغية فضاء للابتكار والانفتاح والتجديد.
الرواية الأمازيغية اليوم قادرة على الانطلاق من خصوصيتها الثقافية نحو أفق إنساني كوني
بداية، نرحب بك على صفحات جريدة “العالم الأمازيغي”، كيف تقدم نفسك لقراء الجريدة، وما أبرز ملامح مسارك الشخصي والأدبي؟
مزيان رحو، باحث في الأدب والترجمة، ومترجم وروائي. انشغل مساري، على امتداد سنوات، بخدمة اللغة والأدب الأمازيغيين، سواء من خلال البحث الأكاديمي في الترجمة، أو عبر نقل أعمال أدبية عالمية إلى الأمازيغية، أو من خلال الكتابة الإبداعية الروائية.
كيف كانت نشأتك، ومتى بدأ اهتمامك بالأدب والكتابة، وما العوامل التي أسهمت في صقل هذا الشغف؟
أنا من مواليد مدينة الناظور ولكن ترعرعت ببلدة ببني أنصار، وفي وقت مبكر من حياتي بدأ شغفي بالقراءة، خاصة الأدب الفرنسي. وعلى الرغم من أن توجهي الدراسي الأول كان علميا، فإن علاقتي بالأدب ظلت قوية، وقد ساهمت القراءة المستمرة والانفتاح على لغات متعددة في صقل هذا الميل.
ما هو مسارك الأكاديمي، وما أهم المحطات التي أثرت في تكوينك العلمي والفكري؟
كان مساري الأكاديمي متنوعا وغنيا بالمحطات؛ انطلقت من الدراسات العلمية، ثم مررت بتكوينات تقنية ومهنية، قبل أن أعود إلى الجامعة في مجال الدراسات الفرنسية والترجمة، إلى أن توج هذا المسار بالحصول على الدكتوراه سنة 2022 في الأدب الفرنسي، ببحث تناول الترجمة الأدبية من الإنجليزية إلى الأمازيغية، بترجمة روايتين للكاتب الأمريكي جون شتاينبيك «Of Mice and Men» و«The Pearl».
كيف تفاعلت تجربتك الأكاديمية أو المهنية مع مشروعك الإبداعي، وهل كان الانتقال إلى الكتابة الروائية تدريجيا أم موازيا لمسارك العلمي؟
أستطيع القول إن المسارين كانا متوازيين ومتكاملين؛ فالعمل الأكاديمي منحني أدوات التحليل والوعي بالنص، بينما ظلت الكتابة الإبداعية فضاء للتعبير الحر والتخييل. أما الانتقال إلى الرواية كان تدريجيا، لكنه لم يكن منفصلا عن مساري الأكاديمي.
كيف تقيم اليوم حضور الأدب الأمازيغي داخل المشهد الثقافي المغربي، وهل هناك تطور ملموس في الاعتراف به؟
بلا شك، هناك تطور ملموس في حضور الأدب الأمازيغي المكتوب، سواء على مستوى النشر أو الاهتمام الأكاديمي والنقدي. ومع ذلك، ما زلنا في مرحلة البناء التي تحتاج إلى مزيد من الدعم المؤسساتي وتوسيع قاعدة القراء.
في نظرك، ما موقع الرواية الأمازيغية ضمن الأدب المغاربي والعالمي، وهل أصبحت قادرة على تناول قضايا كونية؟
الرواية الأمازيغية اليوم بدأت تفرض مكانتها تدريجيا، وهي قادرة على الانفتاح على القضايا الكونية الكبرى، من أسئلة الهوية إلى التحولات الاجتماعية والبيئية والوجودية، وروايتي الأخيرة “أسكواس أسمتان” تندرج ضمن هذا المسار بمحاولة إدراج جنس أدبي فرعي جديد في الخيال العلمي الذي يتطرق الى قضايا بيئية كونية انطلاقا من أرض أمازيغية.
ما الذي دفعك إلى الاهتمام بترجمة الأدب، خاصة إلى اللغة الأمازيغية، بدل الاكتفاء بالإنتاج الإبداعي؟
الترجمة بالنسبة إلي ليست نشاطا موازيا، بل تمثل مشروعا ثقافيا ومعرفيا رافق مساري الأكاديمي منذ بداياته. فقد واكبتني الترجمة الأدبية في مختلف مراحل تكويني الجامعي، إذ كان أول بحث أنجزته لنيل الإجازة في الدراسات الفرنسية مخصصا لموضوع ترجمة ملحمة “دهار أوبران” من الأمازيغية إلى الفرنسية. ثم تعزز هذا الاهتمام أكثر مع التحاقي بماستر الأدب والترجمة، الذي توِج ببحث حول إعادة إحياء اللغة الأمازيغية عبر الترجمة، باعتبارها أداة أساسية في بناء الرصيد النصي وتوسيع آفاق التعبير الأدبي. وفي مرحلة الدكتوراه، تواصل هذا المسار البحثي من خلال دراسة تناولت الترجمة الأدبية من الإنجليزية إلى الأمازيغية، وهو ما رسخ قناعتي بأن الترجمة ليست مجرد نقل للنصوص، بل جسر ثقافي يربط الأمازيغية بالمنجز الأدبي العالمي ويسهم في تطويرها وإغنائها.
إلى أي حد يمكن اعتبار الترجمة رافعة أساسية لتطوير الأدب الأمازيغي وتوسيع رصيده النصي؟
الترجمة بالنسبة إلي كما قلت، هو مشروع ثقافي أساسي، أعتبرها رافعة مركزية، لأنها تسهم في بناء رصيد نصي مكتوب، وتفتح آفاقا جديدة أمام الكتاب والقراء، كما تساعد على تطوير الأساليب والتصورات الجمالية داخل الأدب الأمازيغي.
ما أبرز التحديات التي واجهتها أثناء ترجمة أعمال عالمية مثل “Of Mice and Men” و”The Pearl” إلى الأمازيغية؟
تمثل التحدي الأساس في ترجمة هذا النوع من الأعمال الأدبية في كيفية نقل كثافتها الإنسانية وحمولتها الثقافية، مع صون بنيتها الجمالية وفرادتها الأسلوبية داخل اللغة الأمازيغية. ولم يكن الأمر يتعلق بمجرد نقل لغوي مباشر، بل بعملية تأويلية دقيقة تستحضر خصوصية النص المصدر وخصوصية أفق التلقي لدى القارئ الأمازيغي. ومن هذا المنطلق، كان من الضروري اللجوء إلى ما يمكن تسميته بـ»توطين النص»، أي إعادة إدماجه داخل سياق ثقافي محلي يجعله أكثر قابلية للتلقي والاستيعاب.
ولهذا سيجد القارئ، عند قراءته للترجمة الأمازيغية لرواية «Of Mice and Men»، حضورا واعيا لتقنية التكييف في الترجمة الأدبية، سواء على مستوى تمثيل العادات والتقاليد، أو في ما يخص بعض التسميات المرتبطة بالأشخاص والأماكن، بما يضمن تحقيق قدر من التكافؤ الثقافي والجمالي. فالغاية لم تكن استنساخ النص الأصلي حرفيا، بل إعادة إنتاجه داخل بنية لغوية وثقافية جديدة، تحافظ على جوهره الإنساني والدلالي، وتجعله في الآن نفسه منسجما مع المرجعيات المحلية للقارئ الأمازيغي.
روايتك الأخيرة “Aseggwas Asmttan”، ما الفكرة المركزية التي انطلقت منها، وكيف تشكلت ملامحها الأولى؟
انطلقت هذه الرواية من تأمل شخصي وعميق في مصير الإنسان وهو يواجه عالما تتسارع فيه الأزمات والتحولات بشكل يكاد يفوق قدرته على الاستيعاب، خاصة ما يرتبط بالاختلالات المناخية وأسئلة الوجود والمآل. وقد ازداد هذا الهاجس إلحاحا بعد التجربة الإنسانية القاسية التي عاشها العالم خلال أزمة COVID-19، وهي لحظة كشفت لنا، بوضوح مؤلم، هشاشة الإنسان مهما بلغ من تقدم، ودفعتنا إلى إعادة طرح أسئلة كبرى حول الحياة والموت والخوف والمستقبل.
تناولت في الرواية موضوع التحولات المناخية الحادة، ما الذي حفزك لاختيار هذا البعد البيئي؟
لأن التحولات المناخية لم تعد مجرد موضوع علمي يناقَش داخل المختبرات أو التقارير المتخصصة، بل أضحت قضية إنسانية كبرى تمس حاضر الإنسان ومستقبله، كان من الطبيعي أن تجد صداها داخل العمل الروائي. فالأدب، في نظري، ليس منفصلا عن قضايا عصره، بل هو أحد الفضاءات الأكثر قدرة على التقاط القلق الجماعي وتحويله إلى أسئلة إنسانية وجمالية. وقد ازداد هذا الوعي لدي في مرحلة شعر فيها الإنسان المعاصر بأنه يعيش على حافة المجهول، محاصرا بالقلق وبأسئلة لا إجابات جاهزة لها.
تمزج الرواية بين الخيال العلمي والتشويق والقضايا البيئية، كيف اشتغلت على هذا التداخل من حيث البناء السردي؟
حرصت على بناء سرد متدرج يجمع بين عنصر التشويق وامتداد الخيال العلمي، حتى يظل القارئ مشدودا إلى الحبكة، وفي الآن نفسه منفتحا على الأسئلة الفكرية التي يطرحها النص.
من خلال شخصية “ميمون”، ما الرسائل التي أردت إيصالها حول الإنسان المعاصر وعلاقته بالتحولات الكبرى، وهل تعكس الشخصية تجارب واقعية؟
ميمون ليس مجرد شخصية روائية، بل هو في العمق تجسيد للإنسان المعاصر في مواجهة القلق والتحولات الكبرى التي تفرضها سرعة العالم وتقلباته. لقد حرصت على أن يحمل أبعادا إنسانية وواقعية، بحيث يعكس صراع الفرد مع عالم سريع التغير، تتداخل فيه الأسئلة الوجودية مع التحولات الاجتماعية والحضارية.
ميمون عاش بين الضفتين: الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، حيث تشكل وعيه اللغوي والثقافي والوجداني، والضفة الشمالية التي هاجر إليها مضطرا، كما هو حال كثير من أبناء الريف. ومن خلال هذه التجربة، أصبح يجسد التوتر الخلاق بين حضارتين مختلفتين: حضارة تمتلك أدوات القوة والتطور وتفرض حضورها، وأخرى تحاول أن تقاوم وتحافظ على ذاتها وهي تواجه ضغط تلك القوة. غير أن ميمون، في نهاية المطاف، يتجاوز حدود الانتماء الجغرافي والثقافي ليغدو شخصية كونية؛ إنه الإنسان الباحث عن الخلاص، لا لنفسه فقط، بل للكون بأسره، في مواجهة المصير المشترك الذي يهدد الجميع.
حضور منظمة تتحكم في المناخ داخل الرواية يفتح أفق التأويل، هل هو طرح نقدي لواقع معين أم اختيار تخييلي صرف؟
قد يبدو هذا الاختيار، في مستواه السردي الأول، اختيارا تخييليا صرفا، غير أنه في العمق يظل مفتوحا على أفق تأويلي ذي بعد نقدي وفلسفي واضح. فحضور هذه الجهة المتحكمة ليس مجرد عنصر روائي وظيفي، بل هو تمثيل رمزي لبنيات القوة الخفية التي تسعى إلى توجيه مصير الإنسان المعاصر والتحكم في مسارات العالم.
في هذا المعنى، يمكن قراءة هذا الاختيار بوصفه نقدا لهيمنة اللوبيات ومراكز النفوذ الكوني التي تتجاوز الحدود الجغرافية والانتماءات القومية، وتشتغل بمنطق السيطرة الشاملة على الإنسان ومصيره. فالرواية تطرح، من خلال هذا التخييل، سؤال العلاقة الملتبسة بين السلطة والعلم، وكيف يمكن للمعرفة، حين تقع تحت هيمنة قوى المصالح، أن تتحول من أداة لتحرير الإنسان إلى وسيلة لإخضاعه وإعادة تشكيل وجوده وفق منطق التحكم.
بعد تجربتك مع “Tagat n Yizan” و”Aseggwas Asmttan”، ما أبرز تحولاتك الأسلوبية، وما مشاريعك القادمة في مجالات الرواية والترجمة والبحث؟
عرفت، من خلال تجربتي مع “La malédiction des mouches (Tagat n Yizan)” و“Aseggwas Asmttan”، انتقالا تدريجيا نحو نضج أوضح على مستوى البناء السردي، مع اشتغال أعمق على القضايا المركبة وتداخل المستويات الدلالية في النص.
فـ «Tagat n Yizan» كانت في الأصل تجربة كتابة بالفرنسية قبل أن تُعاد صياغتها وتستقر في الأمازيغية عبر الترجمة، وهو ما منحها طابعا انتقاليا بين لغتين ورؤيتين سرديتين. أما «Aseggwas Asmttan» فهو عمل إبداعي مكتوب مباشرة بالأمازيغية، ويشكل في الآن نفسه امتدادا لذلك المسار الأول، خصوصاً في علاقته بتخييل ينفتح على أفق يُقارب ما يمكن تسميته بالخيال العلمي.
أما بخصوص المشاريع القادمة، فهي تتجه في عدة مسارات متوازية: الرواية، الترجمة، والبحث الأكاديمي، مع تركيز خاص على تطوير الكتابة الروائية بالأمازيغية من حيث الشكل والتقنيات. وفي هذا الإطار، أنا بصدد إنجاز رواية بوليفونية، تقوم على تعدد الأصوات السردية، وتروي معاناة شخصيات مختلفة داخل فضاء مشترك، تتشابك فيه العلاقات العائلية والجوارية والصداقات المركبة، بما يعكس تعقيد التجربة الإنسانية في سياقها الاجتماعي.
حاوره: خيرالدين الجامعي






