
سنة 2003 خضنا فيها معركة حامية الوطيس مع بعض التيارات المعادية للأمازيغية، اطلقنا عليها انذاك معركة الحرف، (انظر جريدة العالم الأمازيغي) وهي معركة في حقيقة الأمر لم تكن مجرد خلاف لغوي عابر، بل كانت واحدة من أشدّ معارك الوعي والهويّة التي خاضتها الحركة الأمازيغية في وجه آلة إيديولوجية ضخمة سخرت كل امكانياتها لمهاجمة كل خطوة نحو الإنصاف اللغوي. لكن وبالرغم من حملات التشويه، انتصر المنطق، وانتصر النضال، وحُسم امر كتابة اللغة الامازيغية بتحكيم ملكي باعتماد تيفيناغ حرفاً رسمياً للأمازيغية، تبناه المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وانتهى الجدل.
لكن بعض من خسروا تلك المعركة ما زالوا يرفضون الاعتراف بالواقع. وها هو عبد الإله ابن كيران، رئيس الحكومة الأسبق، يعود من جديد ليقول بصوت نشاز إنه كان وما زال ضد تيفيناغ، ولكن في حقيقة الأمر فهو ضد الأمازيغية نفسها كلغة رسمية وهوية أصيلة لهذا البلد.
الأسوأ من ذلك أنه يعترف بأنه اشتكى لجلالة الملك رفضه لحرف تيفيناغ، وكأنه (اي ابن كيران) هو الوصي على الشأن اللغوي وعلى القضية الامازيغية.
والاغرب فيما قاله ابن كيران ليس موقفه من الامازيغية فهو معروف. بل إصراره في كل خرجة نهاية كل أسبوع على جرّ اسم الملك إلى التفاصيل وكشف ما يدور في اجتماعات خاصة يفترض أن تُحاط بالسرية واحترام واجب التحفظ. وهذا في حد ذاته سلوك سياسي لا يليق بمن تولّى مسؤولية رئاسة الحكومة لست سنوات. ورفض خلالها بالمناسبة إخراج القوانين التنظيمية التي جاء بها دستور 2011 لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.
ولكي يفهم القارئ حجم العداء الذي واجهناه من ابن كيران واتباعه، يكفي أن أسترجع واقعة من برنامج إذاعي كنت ضيفة فيه، إلى جانب برلمانية من حزبه. وبعد النقاش، قالت لي في الكواليس ببرودة وبكل ثقة في النفس:
“لا تنسين أن مشروع القانون بين أيدينا، ونحن الأغلبية في البرلمان، وسنفعل به ما نشاء.”
حينها فقط أدركت أن الأمر لم يكن خلافاً تقنياً، بل صراعاً سياسياً مباشراً ضد الأمازيغية وحقها الدستوري.
أما ذلك الشخص الذي يدعي انه “ريفي” وحاشا أن يكون كذلك، والذي يزعم أنه يملك ديبلوماً في تيفيناغ ولا يعرف قراءة الامازيغية بحرفها، فلا يستحق إلا الشفقة، لأنه ببساطة إنسان جاهل، فلا يوجد في المغرب ولا في العالم ديبلوم في تيفيناغ. والخلط بين الحرف واللغة دليل على جهل مركّب، وعلى قابلية كبيرة للاستعمال كأداة في يد الخطاب الذي صنعه ابن كيران وتياره.
الحقيقة التي يجب أن تقال اليوم بلا مجاملة هي أن ابن كيران وحزبه كانوا وما زالوا ضد الأمازيغية.
ضدها فكرياً، وضدها دستورياً، وضدها سياسياً. ومع ذلك، فقد انتصرت الأمازيغية بنضال مناضليها ومناضلاتها، وبشرعية مطالبها، وبدعم ثابت من صاحب الجلالة.
اي نعم انتصرت الأمازيغية لأنها حق، ولأن هذا البلد لا يُبنى بالإقصاء، ولا بالتحايل السياسي، ولا بالخطابات الشعبوية.
ولذلك نغتنم هذه الفرصة اليوم، وليس غدا، لنقول بكل وضوح لا يقبل اللبس لكل من سولت له نفسه عداء أو استغلال الأمازيغية، أن الأمازيغية ليست مزاجاً سياسياً، ولا ورقة انتخابية، ولا موضوعاً لتصريحات تضليلية ومرتجفة.
إنها لغة رسمية، وهوية وطنية، وجزء كبير من عمق المغرب وإفريقيا وستظل كذلك إلى أن يرث الله هذه الأرض ومن عليها.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر