
بقدر ما اهتم الكثيرون باختيار البابا الجديد للكنيسة الكاثوليكية ليو الرابع عشر، خلفا للبابا فرنسيس، فإن قليلين من انتبهوا للمضمون الرمزي لكلمته الأولى مباشرة بعد انتخابه، إذ قال: “أنا ابن القديس أوغسطين”، “أنا أوغسطيني المنهج”. وهو ما ينم عن احتفاء وتخليد رمزي قوي وذي دلالة كبرى لذاكرة ورمزية القديس الأمازيغي ابن شمال إفريقيا (تامازغا)، والذي يعتبر واحدا من كبار مجددي الكنيسة الكاثوليكية بالعديد من المساهمات الفكرية على المستويين الديني واللاهوتي وكذا الفلسفي والفكري…
وتعتبر كلمة البابا ليو الرابع عشر هاته اعترافا واضحا بينا بالمكانة المتميزة للقديس أوغسطين الذي ساهم في تجديد خطاب الكنيسة الكاثوليكية، وأيضا تحريرها من هيمنة السلطة الرومانية، حيث تمكن من إبداع مذهب خاص به جعله يحظى بالعديد من الأتباع والمريدين إلى يومنا هذا.
إن هذا الاعتراف العالي المستوى من أعلى سلطة دينية معاصرة في الكنيسة بالإسهام التجديدي التاريخي للقديس أوغسطين، يعتبر في جوهره اعترافا بما قدمته منطقة شمال إفريقيا وما قدمته الثقافة الأمازيغية المعروفة بالسلم والسلام والتسامح والأخوة والانفتاح لفائدة الإنسانية جمعاء.
جدير بالذكر أن القديس أوغسطين يعتبر من أباء الكنيسة الكاثوليكية الأربعة، حيث قدم الأسس والمتركزات النظرية التي خدمت العقيدة المسيحية باعتبارها نسقا فكريا وليس فقط دينيا، مساهما بذلك في تجديد عقيدة الكنيسة الكاثوليكة من خلال الجمع بين الأفكار الدينية المسيحية وبين التفكير المنطقي الفلسفي.
ازداد القديس أوغسطين سنة 354 م بمدينة تاكاست (Tagaste)، حيث تلقى التعليم الابتدائي بمدينته الأصلية ثم التعليم الثانوي بمدينة قرطاج قبل الالتحاق بروما التي سيحصل منها على الأستاذية في الريطوريقا أو فن الخطابة. كان ذا ثقافة فلسفية عميقة ممثلا بذلك مظهرا من مظاهر الفكر العقلاني في الثقافة المغاربية كما برهن على ذلك الباحث المغربي عبد السلام بن ميس في كتابه: “مظاهر الفكر العقلاني في الثقافة الأمازيغية القديمة”.
تمكن من تولي منصب الأسقف بالكنيسة، وعرف بعطفه على الفقراء ودحضه للبدع وأصحابها. ألف أكثر من 230 كتابا. ومن أشهرها: “الاعترافات” و”مدينة الله”. وهما الكتابان اللذان لازالت لديهما أهميتهما في الفكر المسيحي المعاصر ولدى المسيحيين المعاصرين.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر